تحليل إخباري: تغيير الحكومة الإسرائيلية.. هل يُغيّر مسار الصراع مع الفلسطينيين؟
غزة 4 نوفمبر 2026 (شينخوا) يبدو أن تداعيات نتائج الانتخابات الإسرائيلية لا تقتصر على احتمال تغيير الحكومة وهوية رئيس الوزراء المقبل، بل تمتد إلى مستقبل السياسات الإسرائيلية تجاه الصراع مع الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، وفق ما يرى محللون سياسيون فلسطينيون.
وتتمحور التساؤلات حول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تغييرا في التعامل مع الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، أم أن الحكومة الجديدة ستواصل نهج سابقتها في تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.
وأظهرت النتائج الرسمية التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية اليوم (الأربعاء) حصول معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على 53 مقعدا في الكنيست المؤلف من 120 مقعدا، مقابل 48 مقعدا لمعسكر غادي آيزنكوت، فيما حصلت القائمتان العربيتان على 19 مقعدا. ورغم حصول الأحزاب المحسوبة على المعارضة مجتمعة على عدد من المقاعد يفوق ما حصل عليه معسكر نتنياهو، إلا أنها لا تشكل كتلة واحدة متحالفة، كما لم يتمكن أي من المعسكرين من حصد الأغلبية المطلوبة، البالغة 61 مقعدا، لتشكيل الحكومة. وبذلك، تتجه المرحلة المقبلة إلى إجراء مفاوضات وتحالفات بين الأحزاب والقوائم المختلفة، سعيا إلى جمع العدد الكافي من المقاعد، سواء لدعم آيزنكوت أو نتنياهو، وتشكيل الحكومة المقبلة.
ويضع هذا التوازن البرلماني إسرائيل أمام مفاوضات سياسية معقدة، وسط احتمالات تشكيل حكومة بقيادة غادي آيزنكوت، أو إقامة حكومة وحدة وطنية، أو العودة إلى صناديق الاقتراع، في وقت تتجه فيه الأنظار الفلسطينية إلى انعكاسات هوية الحكومة المقبلة على الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية.
وفي مقابلات منفصلة مع وكالة أنباء ((شينخوا))، يرى محللون فلسطينيون أن تغيير الحكومة قد ينعكس على أساليب إدارة الصراع، لكنه لا يعني بالضرورة تحولا جوهريا في الأهداف الإسرائيلية، محذرين من احتمال الانتقال من العمليات العسكرية واسعة النطاق في غزة إلى نموذج من السيطرة الأمنية طويلة الأمد، بالتوازي مع استمرار الاستيطان والضغوط الاقتصادية والأمنية في الضفة الغربية.
-- غزة.. من إنهاء الحرب إلى إدارة الصراع
في قطاع غزة، الذي أنهكته حرب واسعة النطاق على مدار أكثر من ثلاث سنوات، يتمثل الاختبار الأبرز للحكومة الإسرائيلية المقبلة في مدى استعدادها لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما تتضمنه من ترتيبات أمنية وسياسية وانسحاب إسرائيلي وبدء عملية إعادة الإعمار.
وقال المحلل السياسي الفلسطيني أكرم عطا الله، من غزة، لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن تشكيل الحكومة المقبلة لن يكون سهلا لأي من المعسكرين، رغم أن فرص المناورة أمام آيزنكوت تبدو أكبر، مشيرا إلى أن الخلاف بين نتنياهو ومعارضيه بشأن غزة يرتبط أساسا بالخطوات السياسية، وليس بالملفات الأمنية.
وأوضح عطا الله أن آيزنكوت يؤيد تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب، بخلاف موقف نتنياهو، لكنه أشار إلى وجود توافق إسرائيلي واسع بشأن القضايا الأمنية، بما فيها نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وإنهاء حكم حركة حماس والإبقاء على السيطرة الأمنية الإسرائيلية على القطاع.
وأضاف أن المؤسسات الأمنية والعسكرية ومجلس الأمن القومي "تتمتع بنفوذ كبير في تحديد السياسات الإسرائيلية، ما يجعل تغيير القيادة السياسية غير كاف بمفرده لإحداث تحول جذري".
من جانبه، يتفق المحلل السياسي مصطفى إبراهيم، من غزة، مع عطا الله في أن تغيير الحكومة الإسرائيلية لا يعني بالضرورة حدوث تحول جوهري في سياستها تجاه القطاع، لكنه يرى أن نتائج الانتخابات والتجاذبات الحزبية قد تؤثر على مسار التهدئة والقرارات المتعلقة بالتصعيد العسكري.
وقال إبراهيم لـ((شينخوا)) إن حصول القوائم العربية على 19 مقعدا يمنحها وزنا مهما في الحسابات البرلمانية، رغم رفض أحزاب إسرائيلية إشراكها في ائتلاف حكومي، مضيفا أن "التجاذبات الحزبية قد تنعكس على القرارات المتعلقة بالحرب والتصعيد العسكري، خصوصا مع تداخل الحسابات الانتخابية والأمنية".
ورأى أن وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة قد يتيح تنفيذ بعض بنود المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية، بما يشمل انسحابات جزئية وتوسيع حركة العبور عبر المعابر والبدء بإعادة إعمار محدودة، لكنه لا يعني بالضرورة إنهاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية أو وقف استهداف الفصائل الفلسطينية.
وبحسب إبراهيم، قد تنتقل إسرائيل من العمليات العسكرية الواسعة إلى تدخلات أقل كثافة، مع الاحتفاظ بحرية التحرك الأمني، وهو ما قد يبقي القطاع في مرحلة انتقالية دون ضمانات واضحة لإنهاء الحرب أو إطلاق عملية إعمار شاملة.
-- الضفة الغربية.. الاستيطان والضغوط الاقتصادية
وفي الضفة الغربية، تتمثل أبرز التحديات في استمرار التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين، إلى جانب القيود الاقتصادية وتراجع قدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة صلاحياتها.
وقال المحلل السياسي عبد المجيد سويلم، من رام الله، لـ((شينخوا)) إن طبيعة الحكومة المقبلة ستكون عاملا أساسيا في تحديد مستوى التوتر، مشيرا إلى أن وصول آيزنكوت قد يدفع مجموعات اليمين المتطرف إلى تصعيد اعتداءاتها ضد الفلسطينيين بهدف إضعاف الحكومة الجديدة ونقل الصراع السياسي الداخلي إلى الساحة الفلسطينية.
وأضاف أن مواجهة هذه المجموعات قد تفتح المجال أمام توتر بين الأجهزة الأمنية والجيش الإسرائيلي من جهة، والمستوطنين المتطرفين من جهة أخرى.
وفي المقابل، حذر سويلم من استمرار استخدام الأدوات الاقتصادية لمعاقبة الفلسطينيين إذا بقي نتنياهو في السلطة، خصوصا حجز أموال السلطة الفلسطينية ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم في إسرائيل.
لكنه أشار إلى أن حكومة برئاسة آيزنكوت قد تتيح معالجة تدريجية لبعض هذه الملفات، لافتا إلى أن الأخير تحدث عن إمكانية إعادة ما بين 60 و70 ألف عامل فلسطيني إلى أعمالهم بعد فحوصات أمنية، انطلاقا من احتياجات الاقتصاد الإسرائيلي.
من جانبه، قال المحلل السياسي أحمد رفيق عوض، من رام الله، إن الاستيطان يمثل سياسة ثابتة في المشروع الإسرائيلي، ولا يرتبط بطبيعة الحكومة أو التيار السياسي الحاكم.
وقال عوض لـ((شينخوا)) إن الحكومة الجديدة قد تغير وتيرة التوسع الاستيطاني تحت تأثير الضغوط، لكنها لن تتخلى عنه، في ظل تنامي نفوذ القوى الداعمة للاستيطان داخل المجتمع والسياسة الإسرائيليين.
وحذر من أن مصادرة الأراضي وزيادة أعداد المستوطنين وتغيير الواقع الميداني تجعل إقامة دولة فلسطينية مستقلة أكثر صعوبة، مشيرا إلى أن إسرائيل تتعامل مع مساحات واسعة من الضفة كما لو كانت خاضعة لسيادتها، من خلال الاقتحامات والقيود الأمنية وتقييد صلاحيات السلطة الفلسطينية.
وأضاف أن تراجع الاهتمام الدولي بحل الدولتين يمنح إسرائيل مساحة أوسع لتغيير الواقع على الأرض، في ظل غياب ضغوط دولية كافية لوقف الاستيطان.
-- هل يمكن أن تؤثر القوائم العربية في قرارات الحكومة المقبلة؟
وفي ظل الانقسام داخل المعسكرين الإسرائيليين، يبرز حصول القوائم العربية على 19 مقعدا بوصفه أحد أبرز مخرجات الانتخابات، وعنصرا قد يكون له دور في تحديد هوية الحكومة المقبلة ومسار تشكيلها.
وقال الخبير في الشؤون الإسرائيلية عاهد فروانة لـ((شينخوا)) إن حصول القوائم العربية على هذا العدد من المقاعد يمنحها ثقلا سياسيا وبرلمانيا مهما، خصوصا أن أيا من المعسكرين لا يمتلك أغلبية مستقلة تتيح له تشكيل حكومة بمفرده.
وأوضح فروانة أن آيزنكوت قد يجد نفسه أمام خيار الاستعانة بدعم القوائم العربية، سواء بصورة مباشرة أو من خلال تفاهمات برلمانية، لتأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة إذا تعثرت مفاوضاته مع الأحزاب الأخرى.
ورأى أن قبول هذا الخيار قد يشكل تحولا في تعامل الأحزاب الإسرائيلية مع التمثيل السياسي للعرب داخل الكنيست، بعد سنوات من استبعاد القوائم العربية عن الائتلافات الحكومية.
وأشار إلى أن هذا الوزن البرلماني قد يتيح للقوائم العربية طرح قضايا الفلسطينيين داخل إسرائيل، إلى جانب المطالبة بتغيير السياسات المرتبطة بالحرب على غزة والضغوط المفروضة على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وربط دعمها المحتمل للحكومة بملفات مدنية وسياسية تمس حقوق الفلسطينيين وأوضاعهم المعيشية.
وأضاف فروانة أن القوائم العربية قد تسعى إلى استثمار موقعها التفاوضي للحصول على تعهدات أو ضمانات سياسية، لكن قدرتها على تحقيق ذلك ستظل مرتبطة باستعداد آيزنكوت لقبول التعاون معها، وبمدى استعداد الأحزاب العربية للتوصل إلى تفاهمات مع حكومة قد لا تتبنى بالضرورة مطالبها السياسية.
ومع ذلك، يعتقد أن دخول القوائم العربية في معادلة تشكيل الحكومة لا يعني تلقائيا قدرتها على تغيير السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، لكنه قد يوسع حضور القضايا الفلسطينية في النقاش السياسي والبرلماني الإسرائيلي، ويمنح ممثليها مساحة أكبر للضغط على الحكومة المقبلة.








