مقالة خاصة: "المسيرة الطويلة" الجديدة لـ شي جين بينغ
بكين 25 أكتوبر 2026 (شينخوا) على ضفاف نهر يويدو في شرقي الصين، أنشدت جوقة أغاني تستحضر قصص الجنود الذين غادروا ديارهم قبل أكثر من تسعة عقود. وإلى جوار المنشدين، كُتبت ثمانية رموز صينية كبيرة باللون الأحمر تقول: "لتتألق روح المسيرة الطويلة إلى الأبد".
في أكتوبر عام 1934، عبر نحو 86 ألف جندي من الجيش الأحمر هذا النهر، دون أن يدركوا أنهم يشرعون في رحلة مضنية بلغت مسافتها 12500 كيلومتر، وهي الرحلة التي وصفها الصحفي الأمريكي إدغار سنو بأنها "ملحمة لا مثيل لها في العصر الحديث". وفي أكتوبر عام 1936، التقت القوات الرئيسية الثلاث للجيش الأحمر في شمال غربي الصين، ما مثّل اختتاما لـ "المسيرة الطويلة".
ومع إحياء الصين هذا العام الذكرى الـ90 لانتصار "المسيرة الطويلة"، يتوافد الزوار إلى محافظة يويدو الجبلية في مقاطعة جيانغشي لزيارة المكان الذي انطلقت منه هذه المسيرة.
ويصل عدد الزوار في يويدو إلى ملايين سنويا، وكان من بين الذين زاروا هذا المكان الرئيس الصيني شي جين بينغ.
وخلال زيارته للمحافظة في مايو عام 2019، وضع شي إكليلا من الزهور عند نصب تذكاري لانطلاق "المسيرة الطويلة"، وزار معبر النهر الذي استخدمه جنود الجيش الأحمر، والتقى بأحفادهم.
وقال شي، وهو أيضا الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ورئيس اللجنة العسكرية المركزية: "جئت إلى هنا لأُطلع أبناء الشعب في أنحاء البلاد على أن الحزب لم ينسَ غايته الأصلية".
وأضاف: "علينا أن نبني على الإنجازات الماضية، ونحزم أمتعتنا، وننطلق من جديد".
--مواصلة المسيرة
كانت "المسيرة الطويلة" بمثابة تحول استراتيجي، ففي عام 1934، أُجبر الحزب الشيوعي الصيني الناشئ على التخلي عن قاعدته الرئيسية في مقاطعتي جيانغشي وفوجيان بعد فشله في صد حملة التطويق والقمع الخامسة التي شنها نظام حزب "الكومينتانغ".
وخلال هذه المناورة، عبر الجيش الأحمر ما يقرب من 100 نهر وأكثر من 40 جبلا شاهقا، واجتاز مستنقعات كانت تُعرف بـ"منطقة الموت". وخاضت القوات أكثر من 600 معركة، وفقد الكثيرون أرواحهم على طول الطريق.
وفي شمال غربي الصين، أسس والد شي، شي تشونغ شيون، ورفيقاه ليو تشي دان وشيه تسي تشانغ، قاعدة شنشي-قانسو الثورية. وكان وجود هذه القاعدة عاملا مهما في قرار ماو تسي تونغ اتخاذها الوجهة النهائية لـ "المسيرة الطويلة".
وبعد انتهاء "المسيرة الطويلة"، رسخ الحزب أقدامه في شمالي شنشي، واتخذ من يانآن مقرا له لأكثر من عقد من الزمان. ومن هناك، نمت قوته وقاد الشعب الصيني في مقاومة العدوان الياباني، وتمكن في نهاية المطاف من الإطاحة بنظام حزب "الكومينتانغ".
ونظرا لترعرعه في مثل هذه العائلة الثورية، طور شي ارتباطا عميقا بـ"المسيرة الطويلة" وتلك المنطقة، إذ لم يكن قد بلغ الـ16 من عمره عندما غادر بكين متجها إلى قرية في يانآن، حيث قضى سبع سنوات في العيش والعمل جنبا إلى جنب مع المزارعين. وهناك، انضم شي إلى الحزب، وأصبح أمين فرع الحزب بالقرية، وبنى روابط وثيقة مع السكان المحليين، وعقد العزم على خدمة الشعب من خلال تولي المناصب العامة.
كانت يانآن، التي مثلت موطئ قدم للثورة الصينية بعد "المسيرة الطويلة" ومنطلقا نحو تحقيق النصر على الصعيد الوطني، هي نقطة البداية في "المسيرة السياسية" لـ شي.
واستذكر شي قائلا: "كلما ذهبت إلى يانآن في تلك السنوات، كنت أشعر بإجلال عميق وحماسة بالغة".
وفي شبابه، كان شي مفتونا للغاية بتاريخ "المسيرة الطويلة". وفي ثمانينيات القرن الماضي، تعرّف على الكاتب وانغ يوان جيان، الذي كرس حياته لتوثيق البطولات التي سطرها الجيش الأحمر. وكان وانغ قد أجرى مقابلات مع العديد من المحاربين القدامى الذين شاركوا في تلك المسيرة. وذكرت زوجة وانغ في مقال أنه كلما روى وانغ قصص هؤلاء المحاربين، كان شي يخرج دفترا من جيبه ويدوّن الملاحظات بعناية.
وفي عام 1996، عندما كان يشغل منصب نائب أمين لجنة الحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة فوجيان، شارك شي في مسيرة لتتابع حمل الشعلة ضمت ألف شخص إحياء للذكرى الـ60 لـ"المسيرة الطويلة"، حيث انطلق في مقدمة المشاركين إلى جانب أحد المحاربين القدامى في الجيش الأحمر يبلغ من العمر 82 عاما.
وفي عام 2006، عندما كان يشغل منصب أمين لجنة الحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة تشجيانغ، زار شي معرضا للصور الفوتوغرافية أقيم بمناسبة الذكرى الـ70 لـ"المسيرة الطويلة". ووصف هذه المسيرة بأنها لم تكن مجرد اختبار استثنائي للروح الإنسانية وقوة الإرادة البشرية فحسب، بل كانت أيضا رحلة في سبيل تحقيق إحياء النهضة العظيمة للأمة الصينية.
ومنذ توليه أعلى منصب قيادي في أواخر عام 2012، أعاد شي تتبع مسارات "المسيرة الطويلة" خلال زياراته إلى مختلف أنحاء البلاد، بدءا من يويدو، حيث احتشد الجيش الأحمر المركزي وانطلق في مسيرته، وصولا إلى تشيوانتشو، حيث خاض الجنود "معركة نهر شيانغجيانغ" الدامية، وتسونيي، التي شهدت منعطفا حاسما، وجيانغتايبو، حيث التقت قوات الجيش الأحمر في ختام "المسيرة الطويلة".
وفي المتاحف، كان شي يتفحص القطع الأثرية ويطرح الأسئلة حولها. وعند النصب التذكارية، كان يقدم أكاليل الزهور وينحني إجلالا للشهداء الثوريين. كما وجّه السلطات المعنية بالعمل على استعادة رفات الجنود ودفنها بشكل لائق، وإنشاء مرافق تذكارية تخليدا لذكراهم.
وخلال إحدى زياراته، توقف شي طويلا أمام لوحة تصوّر تشن شو شيانغ، الذي تولت فرقته مهمة الحرس الخلفي لقوات الجيش الأحمر. وبعد أن وقع في الأسر عقب تأمينه لعملية عبور القوات الرئيسية للنهر، رفض تشن الاستسلام، وفارق الحياة بعدما مزّق جرحا في بطنه.
وتساءل شي كيف تمكّن الجيش الأحمر من اختراق الحصار والحفاظ على تماسك صفوفه رغم الخسائر الفادحة التي تكبدها، ثم قدّم إجابته: إنها قوة الإيمان الراسخ.
وبالنسبة لأجيال متعاقبة من القادة الصينيين، لا تمثل "المسيرة الطويلة" مجرد حملة عسكرية فحسب، بل تعد أيضا رمزا للمهمة المستمرة المتمثلة في تحويل الصين.
وفي عام 1949، وبعد أكثر من عقد على انتهاء "المسيرة الطويلة"، تأسست جمهورية الصين الشعبية. وفي وقت سابق من ذلك العام، ومع اقتراب النصر، قال ماو تسي تونغ إن الانتصار في الثورة "لن يكون سوى الخطوة الأولى في المسيرة الطويلة"، إذ كانت رحلة بناء صين جديدة قد بدأت للتو.
واكتسبت هذه المسيرة زخما كبيرا مع إطلاق سياسة "الإصلاح والانفتاح" في عام 1978. وطرح دنغ شياو بينغ، الذي كان من المحاربين القدامى المشاركين في "المسيرة الطويلة"، استراتيجية من ثلاث خطوات لتحديث الصين، جرى تفصيلها لاحقا على النحو التالي: تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب من الغذاء والكساء بحلول عام 1990، ووصول مستوى معيشة الشعب إلى مستوى الحياة الرغيدة على نحو معتدل بحلول نهاية القرن العشرين، وتحقيق التحديث بصورة أساسية بحلول منتصف القرن الـ21. وأصبحت عملية التحديث هذه تُعرف باسم "المسيرة الطويلة" الجديدة.
وقال شي إن "المسيرة الطويلة" لجيلنا تتمثل في تحقيق الهدفين المئويين وتحقيق الحلم الصيني--إحياء النهضة العظيمة للأمة الصينية.
ويشير الهدفان إلى إنجاز بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو معتدل في شتى النواحي بحلول الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني في عام 2021 وبناء دولة اشتراكية حديثة قوية على نحو شامل بحلول الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية في حوالي منتصف القرن الجاري.
وفي عام 2017، قام شي بتقديم الجدول الزمني لتحقيق التحديث بشكل أساسي في إطار استراتيجية الخطوات الثلاث لـ دنغ شياو بينغ، بمقدار 15 سنة، ليتحقق في عام 2035.
وقال شي إنه "لا بد لكل جيل أن ينجز مسيرته الطويلة الخاصة به".
--الشجاعة في مواجهة كل الصعوبات
عندما انطلقت "المسيرة الطويلة"، واجه الجيش الأحمر عدوا يفوقه في كل من العدد والعتاد. ولاحقته قوات حزب "الكومينتانغ" من الخلف وقطعت الطرق أمامه، سعيا لمحاصرته وتدميره. وكان اختراق الحصار يعني الكفاح من أجل كل فرصة للبقاء على قيد الحياة.
وفي شتاء عام 1934، وصلت المعركة إلى نقطة حرجة عند نهر شيانغجيانغ. وتحت القصف الشديد، قاتلت قوات الجيش الأحمر لشق طريقها نحو نقاط العبور. وبحلول الوقت الذي تمكن فيه الجيش من اختراق الحصار، كانت صفوفه قد تضاءلت من حوالي 86 ألفا في بداية المسيرة إلى ما يزيد قليلا عن 30 ألفا.
وستختبر "المسيرة الطويلة" الجديدة التي يقودها شي عزيمة الحزب الشيوعي الصيني أمام مجموعة مختلفة من التحديات. فعندما انتخب ليكون القائد الأعلى للحزب في عام 2012، كانت الصين قد أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر صانع بعد أكثر من ثلاثة عقود من النمو الاقتصادي السريع.
إلا أن هذا التحول جلب معه أيضا تحديات جديدة. إذ باتت الصين بحاجة إلى الحفاظ على زخمها الاقتصادي مع تقليل التباينات الإقليمية ومكافحة الفساد والقضاء على الفقر المدقع وتخفيف الضغوط البيئية المتزايدة. وفي الوقت نفسه، كانت توقعات المجتمع الدولي تجاه الصين تتزايد.
ولدى حديثه عن "المسيرة الطويلة" الحالية، قال شي إنه على الرغم من الاختلاف الكبير في الظروف والمهام، فإنها تظل "مهمة رائدة وشاقة ومعقدة".
وتعد حملة التحديث التي يقودها شي الآن غير مسبوقة في تاريخ البشرية. فهناك أكثر من 1.4 مليار نسمة يتقدمون معا نحو التحديث على نطاق يفوق مجموع سكان الدول المتقدمة الحالية مجتمعة. ويتمثل هدفه في تحقيق الرخاء المشترك للجميع، ليشمل كلا من الثروة المادية والتقدم الأخلاقي والثقافي. ويتم التأكيد على الانسجام بين البشرية والطبيعة. كما تسعى الصين إلى إحياء النهضة من خلال التنمية السلمية.
لا شيء من هذا سهل.
ويعتقد شي أن التغلب على المخاطر والتحديات في المسيرة الجديدة يتطلب الإرادة الثورية ذاتها التي تشكلت أثناء "المسيرة الطويلة". وقال إنه "مهما كانت الصعوبات كبيرة، فكر في المسيرة الطويلة للجيش الأحمر، وفكر في المعركة الدموية عند نهر شيانغجيانغ".
وطرح شي سلسلة من الاستراتيجيات البعيدة النظر لضمان تقدم المسيرة في الاتجاه الصحيح. وتشمل هذه الاستراتيجيات حزمة إصلاح شاملة، هي الأكثر شمولا في التاريخ، تعطي السوق دورا "حاسما" في تخصيص الموارد مع ضمان أداء الحكومة دورها بشكل أفضل. ويتعهد بتوسيع نطاق وصول المستثمرين الأجانب إلى السوق. ومنذ عام 2013، نما عدد مناطق التجارة الحرة التجريبية في الصين من منطقة واحدة إلى إجمالي 23 منطقة في الوقت الراهن.
وطرح شي الفكر التنموي الجديد الذي يركز بشكل أكبر على الابتكار والتنسيق والتنمية الخضراء والانفتاح والمنافع المشتركة، حيث تجسد كل هذه العناصر التجربة المهمة المستمدة من "المسيرة الطويلة"، التي تتمثل في العمل بمبادرة ذاتية، والبحث عن الحقيقة انطلاقا من الوقائع، والانطلاق من الواقع.
وفي وقت لاحق، طرح شي مفهوم "القوى الإنتاجية الحديثة النوعية"، وهو المصطلح الذي يستخدمه للإشارة إلى النمو المدفوع بالتقدم التكنولوجي والتحديث الصناعي، حيث يقود شي من الخطوط الأمامية على غرار أسلافه خلال "المسيرة الطويلة"، مظهرا بذلك رؤيته الاستراتيجية وحسمه.
وخلال زيارته لأحد مصانع السيارات قبل سنوات، دعا شي إلى التحول من المركبات التقليدية التي تعمل بالوقود إلى مركبات الطاقة الجديدة، معتبرا هذا التحول مستقبل صناعة السيارات الصينية. وقبل أكثر من عقد من الزمن، حث شي كبار العلماء الصينيين على الاهتمام بـ"ثورة الروبوتات" التي يمكن أن تعيد تشكيل الصناعة التحويلية العالمية، مشددا على ضرورة أن تعزز الصين قدراتها في مجال الروبوتات وأن تنافس للحصول على حصة أكبر من السوق.
وكان الجيش الأحمر قد حارب العدو بأسلحة عفا عليها الزمن خلال "المسيرة الطويلة". أما اليوم، فأصبح التحدي مختلفا، إذ يتمثل الآن في مواكبة الثورة العلمية وطفرة الابتكار التكنولوجي. ومع تزايد ضغوط القيود التكنولوجية والحواجز التجارية الخارجية، يوجه شي البلاد نحو تعزيز الابتكار المستقل ومرونة السلاسل الصناعية وسلاسل التوريد، وضمان كل من التنمية والأمن.
وقد قاد شي حملة لتحويل الصين إلى قوة عظمى في مجال العلوم والتكنولوجيا، ما رفع مكانة البلاد إلى الصدارة العالمية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الكم والطاقة الجديدة.
ومن الصواريخ الحاملة إلى الغواصات النووية، أطلقت الصين على بعض إنجازاتها التكنولوجية الكبرى أسماء مستوحاة من "المسيرة الطويلة"، تكريما لتاريخها الحافل بالاعتماد على الذات والمثابرة، وفي الوقت نفسه لإلهام المزيد من الإنجازات التكنولوجية الجديدة.
وقاد شي مجموعة من كبار الجنرالات إلى محافظة قوتيان في مقاطعة فوجيان بجنوب شرقي الصين في عام 2014، حيث أرسى اجتماع للجيش الأحمر عام 1929 مبدأ القيادة المطلقة للحزب الشيوعي الصيني على الجيش، لتعزيز هذا المبدأ. وأطلق إصلاحا عسكريا شاملا، مرسيا بذلك الأسس اللازمة لتحقيق أهداف الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي في عام 2027 وبناء قوات مسلحة على مستوى عالمي.
وتمضي "المسيرة الطويلة" الجديدة قدما بثبات وتحقق نتائج ملموسة، فمن عام 2012 إلى عام 2025، نما الناتج المحلي الإجمالي للصين من حوالي 54 تريليون يوان إلى أكثر من 140 تريليون يوان، في حين ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من ما يزيد قليلا عن 6000 دولار أمريكي إلى ما يقرب من 14000 دولار أمريكي. وقد أنشأت البلاد نظاما صناعيا متكاملا يغطي جميع الفئات الصناعية وفقا لتصنيف الأمم المتحدة.
وكشفت بيانات صادرة عن الحكومة الصينية ومعاهد دولية أن الاقتصاد الصيني لا يزال أكبر محرك للنمو العالمي، حيث ساهم بنحو ثلث الزيادة في الناتج العالمي خلال السنوات الأخيرة. كما ينظر إلى التأثير التكنولوجي والثقافي للصين بصورة إيجابية بشكل متزايد في جميع أنحاء العالم.
وأظهر استطلاع عالمي نشره مركز "بيو" للأبحاث في شهر يوليو الماضي أن صورة الصين قد تحسنت في العديد من البلدان خلال السنوات الأخيرة. ولأول مرة، حظيت الصين بصورة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في غالبية البلدان التي شملها الاستطلاع.
ومع اقتراب الموعد المحدد لتحقيق التحديث بحلول عام 2035، حذّر شي من التراخي وقال: "لا تزال هناك العديد من الجبال الثلجية والمراعي التي يجب أن نعبرها".
يعتمد التعامل مع هذه التحديات قبل كل شيء على تعزيز قيادة الحزب. والتشابه التاريخي واضح. لقد ساعدت "المسيرة الطويلة" في تشكيل قيادة مركزية جديدة نواتها ماو وفتحت فترة وجد فيها الحزب تدريجيا أجوبته على المشاكل التي واجهت الثورة الصينية.
وقال شي: "بعد المسيرة الطويلة، كان الحزب والجيش الأحمر أقوى، وليس أضعف، وذلك لأنهما وجدا الطريق الصحيح والنظرية اللتين اهتدت بهما خطاهما".
وفي العصر الجديد، أقر الحزب مكانة شي باعتباره نواة للجنة المركزية للحزب وللحزب كله، وأقر مكانة فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد كمرشد.
وقال لو يي، الأستاذ في مدرسة الحزب التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني إن مواجهة تحديات "المسيرة الطويلة" الجديدة تتطلب توجيها استراتيجيا سليما من قيادة الحزب، ووحدة داخل الحزب وعبر البلاد، فضلا عن الانضباط والالتزام والتفاني من جميع أعضاء الحزب.
وقال يوري تافروفسكي الخبير الروسي في الشؤون الصينية: "هكذا تم صقل هذه الصلابة. لقد أظهرت الأحداث الدرامية في الفترة بين عامي 1934 و1936 أقوى صفات الحزب الشيوعي الصيني وعززتها، ما مكّنه من توحيد بلد منقسم وبناء بلد عظيم".
--الكل من أجل الشعب
في تحفته "النجم الأحمر فوق الصين" التي نُشرت لأول مرة في عام 1937، سجّل سنو تفسيرا بسيطا لجندي في الجيش الأحمر حول سبب قتاله هو ورفاقه: "هنا يقاتل الجميع لمساعدة الفقراء، ولإنقاذ الصين".
وقال لو، الأستاذ في مدرسة الحزب، إن تاريخ المسيرة الملحمية للجيش الأحمر هو أيضا تاريخ الروابط العميقة بين الجيش والشعب، وكيف اعتمد الحزب على نفس الشعب الذي كان الحزب يسعى لخدمته.
وفي يويدو، قام السكان بإزالة الأبواب وتفكيك الأسرّة لبناء جسور مؤقتة حملت الجيش الأحمر عبر النهر. وخلال "المسيرة الطويلة"، قام السكان المحليون بتزويدهم بالطعام، وعملوا كمرشدين، وآووا الجرحى.
وقال والد شي، شي تشونغ شيون مستذكرا سنواته الثورية المبكرة: "في ذلك الوقت، كنا نعتمد على الشعب عند كل منعطف. كنا نعتمد عليه للحصول على الطعام، ولكي نخوض معاركنا كان علينا تعبئته والاعتماد على دعمه. فبدونه، لم نكن لنحقق أي شيء".
يظل هذا الاعتماد على الشعب محوريا في نهج شي في الحوكمة حيث أكد أن على الحزب أن يعمل من أجل الشعب ويستفيد من حكمته ومبادرته، وأن يجعل سياساته مستندة إلى احتياجات الشعب وخبراته.
دعا شي المسؤولين إلى استلهام روح "المسيرة الطويلة" وفهم مهمة الحزب الأصلية بشكل أفضل، والتي تتمثل في "السعي نحو تحقيق السعادة للشعب الصيني وإحياء النهضة العظيمة للأمة الصينية".
وروى شي ذات مرة قصة "نصف اللحاف" التي تعود إلى فترة "المسيرة الطويلة"، حين أمضى ثلاثة من جنود الجيش الأحمر ليلة في منزل أحد القرويين، وكانت الأسرة تعاني نقصا في الأغطية. وقبل مغادرتهم، اقتسم الجنود لحافهم الوحيد مع الأسرة، فقطعوه إلى نصفين وتركوا لها أحدهما لتتمكن من مواجهة البرد.
وعندما تولى شي أعلى منصب في الحزب، كان الحزب في السلطة منذ أكثر من ستة عقود، وكان بعض أعضائه قد ابتعدوا تدريجيا عن التقاليد التي نشأت خلال سنوات الثورة.
وانتقد شي بعض المسؤولين بسبب تصرفاتهم المشينة، بما في ذلك المحسوبية والشللية والتلاعب بالمناصب الرسمية والتظاهر بالامتثال، وهي ممارسات أبعدت الحزب عن الشعب.
وحذر شي من أن الفساد إذا تُرك من دون رادع قد ينذر بنهاية الحزب والدولة على حد سواء. وسرعان ما قدم مدونة سلوك تعرف بـ"قواعد النقاط الثماني" للحد من الإسراف الرسمي. كما أطلق أكبر حملة لمكافحة الفساد في تاريخ الحزب، حيث خضع خلالها ملايين الأشخاص للتحقيق بسبب مخالفات انضباطية. كما قاد تحسينات في الإطار التنظيمي الداخلي للحزب وأسس لجانا للرقابة، بهدف "تقييد السلطة ضمن قفص مؤسسي".
وفي وقت سابق من العام الجاري، أطلق شي حملة تثقيفية على مستوى الحزب، داعيا أعضاء الحزب إلى تصحيح وجهة النظر تجاه أداء الحوكمة. وتمثل الهدف الرئيسي للحملة في الحد من نزعة بعض المسؤولين إلى التضحية برفاه المواطنين سعيا إلى تجميل سجلات أدائهم.
وقال شي: "في النهاية، نجحت المسيرة الطويلة لأن الحزب والجيش الأحمر وقفا مع الشعب، وحافظا على روابط وثيقة معه، وتقاسما معه السراء والضراء. وهذا أيضا ضمان أساسي يمكّننا من التغلب على جميع الصعوبات والمخاطر".
ويقتضي الحفاظ على هذه الروابط فهم تطلعات الشعب والعمل على القضايا الأكثر إلحاحا بالنسبة إليه.
وقاد شي حملة غير مسبوقة للقضاء على الفقر، نجحت خلال ثماني سنوات في انتشال ما يقرب من 100 مليون من سكان الريف من براثن الفقر المدقع. ومنذ بدء الإصلاح والانفتاح في عام 1978، أسهمت الصين بأكثر من 70 في المائة من إجمالي جهود الحد من الفقر على مستوى العالم.
واستخدم شي استعارات مستمدة من "المسيرة الطويلة" لتصوير المعركة الصعبة ضد الفقر، وقال: "مثلما كان جبل ليوبان آخر قمة شاهقة اجتازها الجيش الأحمر خلال المسيرة الطويلة، فإن انتشال جميع أبناء الشعب من الفقر هو القمة النهائية التي يتعين علينا اجتيازها لبناء مجتمع رغيد الحياة على نحو معتدل في شتى النواحي".
كانت حرب شي ضد الفقر واسعة النطاق ولكنها دقيقة في أسلوبها، إذ شملت دراسة أوضاع الأسر كل على حدة لتحديد الأسباب الكامنة وراء فقرها. وبناء على ذلك، خُصصت المساعدات بما يتناسب مع احتياجاتها من خلال تنمية الصناعات المناسبة للظروف المحلية وإعادة توطين سكان القرى الواقعة في مناطق غير ملائمة للعيش. وخلال ثماني سنوات، تم إرسال أكثر من 3 ملايين من الكوادر إلى القرى للعمل في الخطوط الأمامية لمكافحة الفقر المدقع.
وكما حدث خلال "المسيرة الطويلة" فإن البعض لم يتمكن من البقاء على قيد الحياة حتى يشهد النصر، فقد استشهد أكثر من 1800 من أعضاء الحزب والمسؤولين في سبيل أداء واجباتهم. وقد وصف شي الاستعداد لتقديم التضحيات من أجل البلاد والشعب، مهما كانت الصعوبات، بأنه أمر محوري لروح "المسيرة الطويلة".
إن الجبال المغطاة بالثلوج والمراعي التي اضطر الجيش الأحمر إلى اجتيازها سيرا على الأقدام، تربطها الآن طرق سريعة وسكك حديدية. وقد أنشأت الصين أكبر شبكتين في العالم للطرق السريعة والسكك الحديدية فائقة السرعة، مما أتاح نقل المنتجات الزراعية من القرى النائية إلى الأسواق لزيادة دخل السكان المحليين.
ويعد الإصلاح الإيكولوجي إنجازا آخر. فقد أصبحت الصين الدولة التي تحقق أكبر وأسرع زيادة في مساحة الغابات على مستوى العالم. وعند سفوح الجبال على طول مسارات "المسيرة الطويلة"، قد يصادف الزوار اليوم الباندا العملاقة وغيرها من الحيوانات البرية. كما تنتشر منشآت الطاقة الكهروضوئية وطاقة الرياح في المراعي. أما مصابيح الكيروسين التي كان الرعاة يقدمونها للجيش الأحمر، فأصبح معظمها الآن معروضا في المتاحف.
كما بنت البلاد أكبر منظومات التعليم والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية في العالم، وبلغ متوسط العمر المتوقع 79.25 عام في 2025. وتُصنّف الصين حاليا ضمن البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى الأفضل أداء من حيث المؤشرات الصحية الرئيسية.
أما "المسيرة الطويلة" التي تخوضها الصين اليوم فتتطلب جهودا لا تقل عما تطلبته "المسيرة الطويلة" التاريخية، حسبما قال الأكاديمي البريطاني مارتين جاكويس.
وأضاف جاكويس: "إن ذلك يمثل تحديا معقدا، لكنه ينطوي على فرص وإمكانات هائلة، ومن ثم تصبح الفوائد هائلة".
--الصدى في أنحاء العالم
وقال شي إن المجتمع الدولي بات ينظر على نحو متزايد إلى "المسيرة الطويلة" باعتبارها واحدة من الأحداث المفصلية التي ساهمت في تشكيل تاريخ العالم في القرن الـ20، ويرى فيها ملحمة من المثل العليا والتفاني وقوة الإرادة والبسالة، حيث تتجاوز قوة إلهامها حدود الزمان والمكان.
في ثلاثينيات القرن الـ20، توقع سنو أن أحدا سيكتب يوما ما الملحمة الكاملة للمسيرة الطويلة. وعلى مدى العقود التالية، أعاد كثيرون تتبع مسارها وبحثوا عن الناجين وكتبوا رواياتهم الخاصة. وكان من أشهرهم الصحفي الأمريكي هاريسون سالزبوري، الذي وصف "المسيرة الطويلة" في كتابه الصادر عام 1985 بعنوان "المسيرة الطويلة: القصة التي لم تُرو"، بأنها "فريدة من نوعها"، إذ أشعلت بطولاتها أحلام أمة عظيمة ودفعتها نحو مصير لا يستطيع أحد التنبؤ به حتى الآن.
وزار الضابط العسكري الكيني فيليكس غيتاري نغاجي، وهو واحد من أكثر من 100 ضابط من أكثر من 80 دولة ومنطقة كانوا يدرسون في الصين، مواقع على طول مسارات "المسيرة الطويلة" هذا الصيف. وقال إن روح "المسيرة الطويلة" ثروة ثمينة للعالم، وتقدم دروسا للعسكريين في مختلف الدول.
وأضاف أن "الروح الجوهرية للمسيرة الطويلة تقدم لدول الجنوب العالمي حكمة استراتيجية وقوة فكرية لتحقيق الوحدة والاعتماد على الذات وتجاوز المحن".
وما زالت "المسيرة الطويلة" تحظى باهتمام الباحثين في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، إذ يرون أن فوائد نجاح الصين في "المسيرة الطويلة" الجديدة لن تقتصر على الشعب الصيني، بل ستمتد إلى شعوب أخرى خارج حدود البلاد.
وفي عام 2013، طرح شي رؤية "مجتمع المستقبل المشترك للبشرية". وشكّلت هذه الرؤية، بالإضافة إلى المبادرات التي اقترحها لاحقا حول التنمية والأمن والحضارة والحوكمة العالمية، مقترحات وحلول الصين للتعامل مع التحديات المشتركة في عالم تتسع فيه فجوات الثروة، وتتصاعد فيه الصراعات وانعدام الثقة والنزعات الأحادية وممارسات التنمر.
وفي سبتمبر الماضي، خلال قمة بريكس في الهند، دعا شي دول بريكس إلى أخذ زمام المبادرة في تعزيز الابتكار والسلام والاستقرار والتبادلات بين الحضارات، وإصلاح الحوكمة العالمية.
ورأى كيريل باباييف، مدير معهد الصين وآسيا الحديثة التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، أن رسالة الصين تمثل دعوة للدول الكبرى الأخرى للانضمام إلى "المسيرة الطويلة" الجديدة نحو نظام دولي قائم على المساواة والاحترام المتبادل. وبحسب تقديره، فإن نتائج هذه المسيرة ستهم البشرية جمعاء، وليست الصين وحدها.
وأشار كيث بينيت، نائب رئيس مؤسسة "نادي مجموعة 48" البريطانية، إلى وجود صلة بين الذاكرة الثورية والتعاون الدولي. وكتب في مجلة "الصين اليوم" في يوليو الماضي أن روح "المسيرة الطويلة" تتجلى اليوم في مشاريع مثل مبادرة "الحزام والطريق"، التي تربط الدول من خلال البنية التحتية والتجارة والتنمية.
وأضاف أن "المسيرة الطويلة" تظل قوة مرشدة في مواجهة المهام الصعبة والمعقدة، وتجاوز اختناقات التنمية، والمضي قدما في تحقيق الأهداف الوطنية طويلة الأجل.
وبالنسبة للدول التي تتطلع إلى الاستفادة من تجربة الصين، فإن جهود الصين لتحقيق التكامل بين التنمية والأمن، والتحول نحو طاقة أنظف والدعوة للرخاء المشترك، تقدم رؤى حول كيفية مواجهة تحديات مثل تغير المناخ، والطوارئ الصحية العامة، وانعدام الأمن الغذائي وأمن الطاقة، وعدم المساواة.
وقال الأستاذ لو إن "المسيرة الطويلة" تمثل دليلا قويا على القوة الهائلة الكامنة في الروح الإنسانية حين تستنهض عزيمتها، مضيفا: "أنها تمنح الثقة للدول النامية والأمل للبشرية جمعاء، وتؤكد أنه حتى في عالم مليء بعدم اليقين، ما زالت هناك قوى تدافع عن العدالة وتسعى نحو مستقبل أكثر إشراقا".
ولا يزال الطريق أمام الصين ممتدا. فبعد أن حققت البلاد أول هدفيها من "الهدفين المئويين"، لا يزال الهدف الثاني المرتبط بالذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 2049، ينتظر الإنجاز.
وقال شي: "اليوم، نحن أقرب إلى تحقيق هدف إحياء النهضة العظيمة للأمة الصينية، وأكثر ثقة وقدرة على بلوغه من أي وقت مضى".
وأضاف: "سنسعى إلى صون السلام والتنمية في العالم بينما نحقق تنميتنا الخاصة".
