رأي ضيف: كيف يقرأ الصينيون اليوم؟.. من رفوف الكتب إلى المكتبة الذكية
بقلم محمد مازن
في مكتبة شيونغآن، لم أفكر في البداية في سؤال «كيف يقرأ الصينيون اليوم؟». كنت منشغلا بشيء أبسط: كيف تعمل هذه المكتبة التي تعتبر واحدة من أذكى المكتبات في العالم؟
تقع المكتبة في قلب منطقة الانطلاق بمدينة شيونغآن في مقاطعة خبي وتبلغ مساحة مبناها نحو 68 ألف متر مربع بارتفاع يزيد على 40 مترا. وتضم سبعة طوابق فوق الأرض وطابقين تحتها. وقد دخلت المكتبة القائمة النهائية القصيرة للمنافسة على أفضل مكتبة عامة في العالم، التي يمنحها الاتحاد الدولي لجمعيات ومؤسسات المكتبات (إفلا)، ضمن 4 مكتبات، بفضل هندستها المعمارية المبتكرة ومرافقها الرقمية المتطورة.
ما إن دخلت المبنى حتى لفتت نظري شاشة كبيرة في الردهة تعرض أعداد الزوار وحركة الاستعارة، فيما كانت الأجهزة الذكية موزعة حولي بهدوء. لم يكن المشهد أشبه بمعرض للتكنولوجيا، بل بمكتبة عادية أضيفت إليها طبقة أخرى من التكنولوجيا.
تصميم المبنى مستوحى من ألواح الخيزران القديمة التي كانت تستخدم للكتابة، ويبدو من الخارج كأنه كتاب كبير مفتوح. أما الداخل فيتحرك في اتجاه المستقبل. توقفت أمام روبوت وبدأت أطرح عليه أسئلة كما لو كنت أتحدث إلى موظف استقبال. أين أجد كتابا معينا؟ في أي طابق؟ وفي أي جزء من المكتبة؟ كانت إجاباته سريعة وفرت علي رحلة طويلة بين الرفوف.
وجرى توزيع مساحات الداخل وفق فكرة الأجواء الأكثر هدوءا كلما صعد الزائر الى أعلى. وفي الطابق الأرضي، توجد الخدمات العامة ومساحات للأطفال والصغار الى جانب مناطق للقراءة تراعي احتياجات ذوي الاعاقة من بينها طريقة برايل. وتضم الطوابق التالية مناطق الاستعارة والقراءة العامة والقراءة الهادئة بينما يوجد في الطابق السابع صالون للكتاب ومساحات للأنشطة الثقافية وحديقة علوية.
في كل مكان تقريبا، كانت روبوتات الإرشاد تتحرك بين الزوار. بعضها يجيب عن الأسئلة، وبعضها يستطيع أن يقود الزائر إلى منطقة القراءة أو إلى قسم معين. في تلك اللحظة، لم أشعر أنني داخل «مكتبة المستقبل» بالمعنى الذي تستخدمه عناوين الأخبار عادة، بل داخل مكتبة تحاول أن تجعل الأشياء الصغيرة أسهل، العثور على كتاب، معرفة مكانه، أو الوصول إلى القسم الذي أريده.
ثم وصلت إلى منطقة إعادة الكتب.
من الخارج، تبدو أجهزة الإرجاع عادية، لكن ما يحدث بعدها مختلف تماما. يوضع الكتاب في النظام، ثم تبدأ رحلة أخرى في الخلفية؛ يتعرف إليه إلكترونيا، وينتقل عبر منظومة آلية إلى المكان المخصص له، قبل أن يعود إلى الرف الصحيح. لا يرى القارئ معظم هذه العملية، وربما هذه هي الفكرة أصلا، أن تعمل التكنولوجيا في الخلفية حتى لا يضطر إلى التفكير فيها.
في منطقة، كان الأطفال يتحركون ويتفاعلون في مساحة القراءة المخصصة لهم، بينما جلس قراء آخرون في أماكن أكثر هدوءا. لم يكن الجميع مطالبين بالطريقة نفسها في استخدام المكتبة؛ لكل قارئ المساحة التي تناسبه.
زرت مساحة للأطفال، وأطلعت على الخدمات والأنشطة الترفيهية والتفاعلية، ثم ذهبت إلى الطوابق التالية، وهنا تغير كل شيء.
نوافذ واسعة تمتد من الأرض إلى السقف، وضوء طبيعي يدخل إلى المكان، ومقاعد موزعة بالقرب من الزجاج. لم تعد التكنولوجيا هي ما يجذب الانتباه. وبات أكثر ما يميز المكتبة ليس عدد الروبوتات أو الشاشات، وإنما قدرتها على معرفة متى تظهر التكنولوجيا ومتى تتراجع إلى الخلف.
تصفحت سريعا جريدة ورقية ونسخة الكترونية منها على جهاز بالجوار، ثم جربت البحث عن كتاب من خلال الشاشة الموجودة بجوار أحد الرفوف. ما إن كتبت العنوان حتى أضاء مؤشر صغير باللون الأخضر في المكان الذي يوجد فيه الكتاب. حركة بسيطة، لكنها تختصر وقتا كان يمكن أن أقضيه في البحث بين عشرات الرفوف.
لكن إذا كانت المكتبة قد تغيرت بهذه الطريقة، فهل تغيرت معها طريقة قراءة الصينيين؟
الإجابة، كما اكتشفت لاحقا خلال رحلتي في مقاطعة خبي، ليست في المكتبة وحدها.
قبل وصولي إلى شيونغآن، كنت قد حضرت في مدرسة شاتشينغ، إحدى المدارس الابتدائية في محافظة هوايلاي، فعالية أظهرت لي الوجه الآخر للقراءة الصينية. كان حفلا لتسليم أجهزة لوحية للقراءة وشاشات لعرض الأفلام. من خلال الأجهزة الذكية وشبكات الهاتف المحمول، يتفاعل هؤلاء الطلاب مع مساعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي يساعدهم على قراءة الكتب وإلقاء القصائد، ويوصي بمواد تتناسب مع قدراتهم واهتماماتهم.
فالطفل الصيني الذي يعيش حاليا في منطقة بعيدة أو يدرس في مدرسة لا تملك مجموعة كبيرة من الكتب الورقية، يستطيع من خلال جهاز واحد الوصول إلى محتوى أوسع بكثير مما يمكن أن تستوعبه غرفة صغيرة. وقد أدى ذلك أيضا إلى توسيع دائرة القراءة لدى المزارعين وكبار السن، الذين أرى بعضهم أحيانا في محيطي، يفضلون ذلك كطريقة تناسب ظروفهم الصحية والعمرية. فالكتاب يمكن أن يتحول إلى صوت يستمعون إليه، أو نص يمكن تكبيره على الشاشة، بحيث لا تصبح الصفحات الصغيرة أو صعوبة الوصول إلى مكتبة قريبة عائقا أمام القراءة.
وفي منطقة شينجيانغ الويغورية ذاتية الحكم بشمال غربي الصين مثلا، جمعت المكتبة الرقمية الريفية، التي تعمل عبر تطبيق ويتشات، أكثر من 17 ألف كتاب إلكتروني، إلى جانب خدمات صوتية ومرئية، محققة 241 ألف مستخدم مسجل وأكثر من 18.37 مليون زيارة منذ انطلاقها في سبتمبر 2024. وتوفر كتبا للمزارعين والرعاة من جميع القوميات في المنطقة في الأدب والصحة والطفولة والعلوم والتقنيات الزراعية والرعوية والعناية الصحية بست لغات، من بينها الماندرين والويغورية. وتتيح المنصة للقراء كسب نقاط قابلة للاستبدال بسلع أساسية كالأرز وزيت الطهي.
وبموازاة ذلك، أصبح الذكاء الاصطناعي مؤخرا شريكا في فهم الكتاب نفسه.
ففي مدرسة إعدادية بمنطقة هوننان لمدينة شنيانغ شمال شرقي الصين، يجلس الطلاب الآن أمام شاشاتهم ويتحاورون مع شخصيات تاريخية مثل كونفوشيوس، باستخدام برامج تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تقدم شخصيات افتراضية يمكن للطلاب التفاعل معها وطرح الأسئلة عليها.
الفكرة هنا أن الطالب يقرأ، ثم يسأل، ويحاول أن يفهم ما استعصى عليه، ويعود إلى النص من زاوية جديدة.
عن ذلك، قال تشنغ جيون، مدير المدرسة، إن الذكاء الاصطناعي لا يعمل هناك مجرد أداة، وإنما يمكن أن يكون مرشدا يساعد الطلاب على فتح النصوص الكلاسيكية واستكشاف معانيها عندما يواجهون صعوبة في فهمها.
وقد فتح هذا الباب أمام التكنولوجيا لخدمة القراءة العميقة بدلا من القراءة السريعة والمتقطعة.
مثال على ذلك، منصة «شي ديان قوجي» للقراءة الرقمية للكتب الصينية القديمة، التي أطلقتها شركة «بايت دانس» بالتعاون مع جامعة بكين عام 2022. وقد جرى تحويل أكثر من 18 ألف عمل من التراث الصيني إلى صيغة رقمية، بحيث يستطيع المستخدم البحث في النصوص القديمة والوصول إلى نسخ مشروحة باللغة الصينية الحديثة، بل والتعامل مع بعض الكلمات القديمة من خلال شروح ونطق صوتي.
وتبدو الفائدة كبيرة هنا بالنسبة للباحث المتخصص. لكن الأهم أن الذكاء الاصطناعي هنا لا يعمل وحده. فطلاب ومعلمون من مئات الجامعات الصينية يشاركون في مراجعة النصوص القديمة وتصحيحها وإضافة الشروح إليها، فيما تساعد هذه الأعمال البشرية في تحسين قدرة الأنظمة على التعامل مع اللغة الصينية الكلاسيكية.
وربما يكون هذا أحد أكثر التحولات أهمية في مستقبل القراءة.
ومع ذلك، لا تخلو التجربة من أسئلة صعبة. فالخبراء الصينيون أنفسهم يحذرون من أن أدوات الذكاء الاصطناعي لا تزال تميل أحيانا إلى الإجابات السريعة والأسئلة السطحية، بينما تتطلب القراءة العميقة قدرة أكبر على طرح الأسئلة المتخصصة وفهم السياق والاختلافات الدقيقة في النصوص.
وخلال المؤتمر الوطني الخامس للقراءة الذي عقد في أبريل في نتشانغ، شدد وو شولين، رئيس جمعية الناشرين الصينيين، على أهمية القراءة المتعمقة، ودعا إلى الانتقال من التصفح المتقطع إلى القراءة التي تمنح القارئ وقتا للتفكير والتعلم.
وهناك طريق ثالث لم يكن حاضرا في صورة المكتبة التقليدية: الهاتف نفسه.
ففي الصين، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي جزءا من رحلة الكتاب إلى القارئ. على «دوين»، النسخة الصينية من تيك توك، لا يكتفي المستخدم بمشاهدة مقطع عن كتاب، بل يمكنه الانتقال مباشرة من الفيديو إلى شراء الكتاب. ويعرض بعض صناع المحتوى الكتب التي يقرؤونها ويوصون بها، بينما تحول البث المباشر إلى مساحة تجمع الحديث عن الكتب والتفاعل مع الجمهور والبيع في الوقت نفسه.
وهنا تغيرت العلاقة بين الكتاب والقارئ مرة أخرى. لم يعد القارئ ينتظر أن يذهب إلى المكتبة أو متجر الكتب ليرى ما هو جديد؛ يمكن أن تظهر الرواية في هاتفه أثناء تصفحه لمحتوى آخر، وتأتيه التوصية من قارئ أو صانع محتوى يتابعه.
وبنهاية 2025، تضاعف حجم سوق القراءة الرقمية تقريبا في خمس سنوات، من 30.25 إلى 59.48 مليار يوان، بنمو قوي في العرض والطلب. وتكشف دراسات أن منصات الفيديو القصير تستحوذ حاليا على نسبة أعلى من المكتبات الفعلية في سوق الكتب الصيني.
أما تطبيق «ويتشات»، فذهب خطوة أخرى من خلال «ويتشات ريدينغ» الذي يجمع الكتب الإلكترونية بالتفاعل الاجتماعي. يمكن للقارئ أن يشارك اقتباسا، ويكتب تعليقا، ويهدي كتابا، ويدخل في تحديات قراءة فردية أو جماعية.
وبهذه الطريقة، لم يعد الكتاب نشاطا فرديا بالكامل. قد يقرأ شخص رواية على هاتفه، ثم يشارك انطباعه عنها مع أصدقائه، أو يرى ما يقرأه أشخاص يعرفهم، أو يدخل في تحد جماعي للقراءة.
لكن كل هذه التحولات لا تعني أن الكتاب الورقي انسحب من المشهد.
فالأرقام تقول شيئا مختلفا. فقد ارتفع معدل القراءة الشامل لدى البالغين في الصين إلى 82.3 بالمئة في عام 2025، وبلغ متوسط ما يقرأه الفرد من الكتب الورقية والإلكترونية 8.39 كتابا خلال العام، حسب بيانات صدرت في المؤتمر الوطني الخامس للقراءة في نانتشانغ في أبريل.
وفي الوقت نفسه، قال 80.8 بالمئة من البالغين إنهم مارسوا أشكالا من القراءة الرقمية، فيما تجاوز عدد الأعمال الرقمية 70 مليون عنوان. وأصبحت الكتب الصوتية ومراجعات الكتب عبر الفيديو جزءا من المشهد أيضا.
ومع ذلك، أظهرت البيانات أن 45.9 بالمئة من البالغين ما زالوا يفضلون الكتب المطبوعة، وكانت الأعمال الأدبية من أكثر أنواع المحتوى جذبا للقراء.
ويفسر ذلك شيئا مما رأيته في شيونغآن. فالمكتبة لم تحاول أن تختار بين الماضي والمستقبل. لم تستبدل الرفوف بالشاشات، ولم تجعل الروبوتات بديلا عن الموظفين أو القراء، بل وضعت الأدوات الجديدة حول الكتاب، وتركت للإنسان المساحة الأهم: أن يختار، ويجلس، ويقرأ.
حتى المكتبة نفسها لم تعد مبنى واحدا. ففي شيونغآن، توجد فروع مجتمعية وأكشاك للاستعارة الذاتية وعربات متنقلة ضمن مفهوم «دائرة القراءة خلال 15 دقيقة». الفكرة تهدف ألا يضطر الشخص إلى قطع مسافة طويلة كي يجد خدمة للقراءة.
لذلك تبدو تجربة القراءة الصينية اليوم أقرب إلى إعادة توزيع للأدوار منها إلى ثورة تلغي ما سبقها. المكتبة تحفظ الكتاب وتفتح أبوابها بطرق جديدة، المدرسة تستخدم الشاشة لتوسيع الوصول، الذكاء الاصطناعي يساعد في فهم النصوص الصعبة، والهاتف يعرف القارئ بكتب قد لا يصل إليها بالطريقة التقليدية.
وفي قلب كل ذلك، يبقى القارئ هو الطرف الذي يقرر ماذا يفعل بهذه الوفرة.
وربما لهذا تبدو الإجابة عن سؤال «كيف يقرأ الصينيون اليوم؟» أقل تعقيدا مما توحي به كل هذه الشاشات والروبوتات والذكاء الاصطناعي.
إنهم يقرأون بالورق، وبالشاشة، وبالهاتف، وأحيانا بمساعدة الآلة. لكن الوسيلة تغيرت.
ملاحظة المحرر: محمد مازن هو صحفي مصري مخضرم مقيم في الصين.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).








