مقالة خاصة: الكويت: كيف أصبحت المقاهي "المكان الثالث" ؟
الكويت 21 سبتمبر 2026 (شينخوا) في الساعة التاسعة مساء، تكون مدينة الكويت قد دخلت للتو واحدة من أكثر ساعاتها حيوية، إذ تمتلئ المقاهي بالرواد، ولا يتردد بعضهم في القيادة لمدة ساعة كاملة للوصول إلى المقهى المفضل لديهم.
وفي هذا البلد الخليجي، يتوافد الناس يوميا على المقاهي، من طلبة الجامعات إلى المتقاعدين، لتصبح فنجان القهوة بمثابة "تذكرة دخول" إلى "مكان ثالث" خارج المنزل ومكان العمل.
ولا يتعلق الأمر بمجرد ظاهرة استهلاكية، بل يعكس تحولات تشهدها العلاقة بين نمط الأسرة الممتدة التقليدي في الكويت، والبنية الاجتماعية القائمة على الروابط العائلية والقبلية، والحاجة المتزايدة لدى الأفراد إلى مساحة خاصة بهم.
ويقول جراح القزاع من جامعة الكويت "إذا لم أذهب إلى المقهى الليلة، أشعر وكأن يومي لم ينتهِ فعلا."
-- البحث عن مساحة
لطالما ظلت الأسرة هي الوحدة الأساسية في المجتمع الكويتي، ولا يزال نمط الأسرة الممتدة المتعددة الأجيال راسخا حتى اليوم، إذ كثيرا ما يعيش الوالدان والأبناء والإخوة المتزوجون في منزل عائلي واحد.
غير أن الاحتياجات المتنوعة للحياة الحديثة، بما فيها العمل عن بعد، والتعلم عبر الإنترنت، والعمل القائم على المعرفة، والتواصل الاجتماعي والترفيه، باتت تفرض متطلبات جديدة على المساحة المنزلية، يصعب على نمط السكن التقليدي تلبيتها بالكامل، ومن هنا، أصبحت المقاهي أحد أنسب البدائل خارج المنزل.
ويرى محمد الوحيب، أستاذ الفلسفة في جامعة الكويت، أن ارتباط الشباب الكويتي بالأسرة لم يتراجع، وأن الأسرة لا تزال الوحدة الاجتماعية الأكثر استقرارا وأهمية.
وما تغير في الواقع، بحسب الوحيب، هو أن أنماط الحياة الحديثة أوجدت احتياجات مكانية جديدة لدى الشباب، فمع انتشار التعليم العالي، وتزايد الأعمال القائمة على المعرفة، وتطور العمل الرقمي، يرغب عدد متزايد منهم في امتلاك مساحة خارج المنزل للتفكير والدراسة والعمل.
ومن المناطق التجارية إلى الأحياء السكنية، كثيرا ما تكتظ المقاهي في الكويت بالرواد؛ فمنهم من يأتي للدردشة والاسترخاء، ومنهم من يعمل على جهاز الكمبيوتر، ومنهم من يضع سماعات الرأس ويقرأ، فيما يكتفي آخرون بالجلوس أمام النافذة ومراقبة ما يدور حولهم.
وقالت شابة كويتية تعمل في وظيفة مكتبية لوكالة أنباء ((شينخوا)) إنها لا تعود عادة إلى المنزل مباشرة بعد انتهاء عملها، بل تذهب أولا إلى أحد المقاهي لتمضي ساعة أو ساعتين، ترتب خلالها أعمال يومها، أو تقرأ كتابا تحبه، أو لا تفعل شيئا سوى الجلوس بهدوء.
وأضافت "في المقهى فقط أستطيع ألا أؤدي أي دور، وأن أكون نفسي فحسب."
وقال شاب يعمل في مجال ريادة الأعمال على الإنترنت إنه يعمل في مكتبه صباحا، ثم يتوجه مساء بصورة منتظمة إلى أحد المقاهي لمواصلة عمله.
وأضاف "هناك إنترنت لاسلكي ومقابس كهرباء، ولا أحد يزعجني، أطلب فنجان قهوة، وحين أشعر بالتعب أستريح."
وقد التقط كثير من أصحاب المقاهي هذه الاحتياجات بسرعة، فحرصوا على توفير بيئة مناسبة للبقاء لفترات طويلة، من خلال شبكة إنترنت مستقرة، وعدد كاف من المقابس الكهربائية، وطاولات واسعة، وإضاءة هادئة، وموسيقى مريحة، بل إن بعض المقاهي خصصت "مناطق هادئة" لروادها.
وفي الوقت نفسه، تتكاثر المقاهي في الكويت بوتيرة لافتة، وإلى جانب العلامات التجارية العالمية، تظهر باستمرار علامات محلية جديدة.
ويمزح الكويتيون قائلين: "إذا زرعت بذرة في الكويت، فمن المحتمل ألا تنبت شجرة، بل مقهى."
-- تحولات المكان الاجتماعي
إذا كانت الأسرة هي الوحدة الأساسية في المجتمع الكويتي، فإن "الديوانية" تمثل حلقة وصل مهمة بين الأسرة والمجتمع، كما تعد مفتاحا مهما لفهم الحياة الاجتماعية في منطقة الخليج.
وكان مفهوم الديوانية يشير في الأصل إلى غرفة استقبال مستقلة نسبيا داخل المنزل الكويتي، ثم اتسع لاحقا ليشمل التجمعات واللقاءات الاجتماعية التي تعقد فيها، وهي عادة تمتد جذورها إلى مئات السنين.
وتنقسم الديوانيات عموما إلى نوعين: عائلية وعامة، فالديوانية العائلية تجمع أفراد الأسرة بصورة دورية لتعزيز الروابط بينهم، أما الديوانية العامة فعادة ما تفتح أبوابها مساء، ويكون موعدها ومكانها معروفين، ويمكن للضيوف حضورها بصرف النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو معرفتهم الشخصية بصاحب الديوانية.
وفي ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كان عدد الديوانيات في الكويت يقل عن 20 ديوانية، أما اليوم فقد وصل إلى الآلاف، ويجتمع الناس فيها لشرب الشاي وتبادل الآراء بشأن الأخبار المحلية والدولية، ومناقشة التعاون التجاري، والتشاور في شؤون الأسرة.
وتتركز الأنشطة الاجتماعية في الديوانية بدرجة كبيرة على شؤون العائلة والتعاون التجاري والقضايا العامة، ما يمنحها طابعا "وظيفيا" واضحا، بدلا من أن تكون مجرد مكان للاسترخاء والترفيه، ولهذا توصف الديوانية في الكويت أحيانا بأنها "برلمان شعبي".
غير أن هذا النمط الاجتماعي التقليدي يشهد اليوم نوعا من إعادة توزيع الوظائف.
فالشباب لا يزالون يشاركون في الديوانيات العائلية خلال الأعياد والمناسبات، لكنهم باتوا يفضلون المقاهي بدرجة أكبر للقاءاتهم اليومية مع الأصدقاء وزملاء الدراسة والعمل.
وتختلف قواعد التواصل الاجتماعي في المقاهي بصورة واضحة، إذ تقل فيها القيود المرتبطة بالمكانة العائلية وفوارق السن والتراتبية الاجتماعية، وفي مقابل مشروب يبلغ سعره نحو ثلاثة دنانير كويتية، أي ما يقارب عشرة دولارات أمريكية، يحصل الزبون على عدة ساعات يستطيع أن يقضيها بالطريقة التي يريدها.
وإضافة إلى ذلك، وبينما ظلت الديوانية التقليدية لفترة طويلة فضاء يغلب عليه حضور الرجال، أصبحت المقاهي خيارا مهما في الحياة الاجتماعية اليومية لكثير من النساء، إذ توفر لهن مساحة عامة أكثر انفتاحا ومساواة وسهولة في الوصول إليها.
وبطبيعة الحال، لم تحل المقاهي محل الديوانية، بل بدأت تتشكل بينهما قسمة جديدة للأدوار.
فالديوانية تواصل أداء وظائفها في الحفاظ على العلاقات العائلية والتواصل الاجتماعي التقليدي والتشاور في مختلف الشؤون، بينما تلبي المقاهي احتياجات اجتماعية حديثة، مثل الترفيه اليومي، والتواصل بين دوائر اجتماعية مختلفة، وعقد لقاءات العمل، والتعبير عن الذات.
ويعكس تعايش هذين النوعين من الفضاءات في حد ذاته جانبا من سعي المجتمعات الخليجية إلى إيجاد توازن متحرك بين التقاليد والحداثة.
-- قراءة في تحولات المكان
تكمن أهمية المقاهي بوصفها نافذة يمكن من خلالها رصد التحولات الاجتماعية في الكويت في أنها تجمع داخل مكان يومي واحد مظاهر متعددة من التغير الاجتماعي، وأول هذه التحولات يتعلق بثقافة الاستهلاك.
فقد أصبحت الكويت واحدة من أكثر أسواق القهوة المختصة نشاطا في منطقة الشرق الأوسط، وتحظى هذه القهوة بإقبال واسع، كما تحولت المقاهي إلى منصة مهمة لرواد الأعمال المحليين لعرض أفكارهم في التصميم، وثقافة علاماتهم التجارية، ومنتجاتهم المبتكرة.
فمن أسلوب الديكور واختيار الأكواب، إلى تحميص حبوب القهوة وانتقاء الموسيقى الخلفية، تعكس كل التفاصيل رؤية صاحب المقهى وشخصيته.
ويشير ظهور هذا النمط الاستهلاكي إلى أن المجتمع الكويتي ينتقل تدريجيا من مجرد "الاستهلاك القائم على الدخل المرتفع" إلى "الاستهلاك القائم على المعنى"، إذ بات المستهلكون يولون اهتماما أكبر للمضامين الثقافية والقيمة العاطفية الكامنة وراء المنتجات.
أما التحول الثاني فيتعلق بإعادة تشكيل الحياة العامة.
وتقول سارة، وهي طالبة في تخصص علم النفس بجامعة الكويت، إن الإنسان يحتاج إلى الخلوة بنفسه، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى الشعور بوجود الآخرين من حوله بدرجة مناسبة.
وأضافت "في المقهى، يستطيع الشخص أن يقرأ أو يعمل أو يجلس من دون أن يفعل شيئا، وفي الوقت نفسه يمكنه أن يرى من خلال النافذة الناس وهم يتحركون في المدينة، وأن يسمع الأحاديث الهادئة من حوله، وهكذا يحتفظ باستقلاليته، لكنه يشعر في الوقت نفسه بوجود الحياة العامة من حوله."
ويتمثل التحول الثالث في انتقال الثقافة عبر الحدود.
فقد تعرف الشاب الكويتي ناصر على شاي "بوآر" الصيني خلال فترة دراسته في الخارج، ثم زار الصين مرات عدة لتعلم طرق زراعته وتصنيعه وتذوقه.
وبعد عودته إلى الكويت، لم يسلك الطريق التقليدي المتمثل في افتتاح بيت شاي على الطراز الصيني، بل بدأ أولا بإدخال الشاي الصيني إلى المقاهي المحلية، آملا في الاستفادة من البيئة الاستهلاكية الأكثر ألفة لدى الشباب، بما يتيح لعدد أكبر منهم التعرف على الشاي الصيني بصورة طبيعية.
وقال ناصر لـ((شينخوا)) "ما يجذب الشباب حقا ليس الشاي الصيني وحده، بل حقيقة أنه يمكن أيضا أن يصبح جزءا من الحياة الحضرية الحديثة، فالشاي ليس بالضرورة أن يوجد فقط داخل بيوت الشاي التقليدية."
وفي السياق ذاته، يرى محمد الوحيب أستاذ الفلسفة في جامعة الكويت أن انتقال الثقافة وانتشارها باتا يعتمدان بصورة متزايدة على فضاءات الحياة اليومية للناس، وليس فقط على العروض والفعاليات الثقافية المباشرة.
أما التحول الأخير فيتعلق بالتكيف في توفير الفضاءات العامة.
وقال الوحيب إن المناخ الحار في الكويت أسهم أيضا في تعزيز نمط الحياة هذا، فدرجات الحرارة المرتفعة خلال معظم أشهر السنة تحد من الأنشطة الخارجية، الأمر الذي يجعل المقاهي المكيفة والمجهزة بالإنترنت اللاسلكي والمقاعد المريحة أماكن مناسبة للبقاء وقضاء الوقت.
وبالنسبة إلى الكويتيين، لا تحل المقاهي محل الأسرة، ولا تمثل رفضا للتقاليد، بل أضافت ببساطة وجهة ثالثة إلى حياتهم اليومية.
وما تحمله هذه المقاهي في طياتها هو استجابة بلد خليجي مرتفع الدخل، يستند إلى جذور تقليدية راسخة، لمتطلبات الحياة الحديثة المتغيرة.








