(وسائط متعددة) مقالة خاصة: عمال الأقصر .. "الأيدي السمراء" التي تبعث الحياة في آثار مصر القديمة
القاهرة 30 أبريل 2026 (شينخوا) في معبد "مونتو" العريق بالأقصر، ينهمك عمال مصريون في إزالة الرمال عن وجوه حجرية ظلت مدفونة لآلاف السنين، ويعيدون الكتل الصخرية الضخمة إلى أماكنها الأصلية باستخدام أدوات وتقنيات تقليدية توارثتها الأجيال.
وفي حين تسلط الأضواء عادةً على علماء الآثار الأجانب، فإن مهام الحفظ اليومية لمعابد الأقصر تعتمد بشكل أساسي على متخصصين محليين ساهمت مهاراتهم في حماية عدد من أهم المواقع التاريخية في مصر.
وبجلاليبهم التقليدية، يجثو العمال في قلب الغبار، مستخدمين فرشاً صغيرة لتنظيف النقوش الحجرية التي تعود لنحو 3000 عام، فيما يستخدم آخرون أدوات بسيطة تشبه تلك التي استُخدمت في العصور القديمة لرفع الكتل الثقيلة وإعادتها إلى مواضعها.
وقال رئيس عمال الحفائر الأثرية في الأقصر، علي فاروق (56 عاماً)، في تصريحات لوكالة أنباء ((شينخوا))، إن هؤلاء العمال لديهم خبرة واسعة مكنتهم من حجز مقاعدهم بين بعثات التنقيب والترميم الدولية والمصرية على حد سواء.
وتحدث فاروق، الذي يعد وجهاً مألوفاً في معابد المدينة، عن تجربته الشخصية في هذا المجال، موضحاً أنه قضى 45 عاماً من عمره في العمل بكل المواقع الكبرى في المنطقة تقريباً، بدءاً من معبد الكرنك وصولاً إلى المقابر الصغيرة.
ورغم أن فاروق، الذي يعمل أيضاً مع وزارة السياحة والآثار المصرية، لا يحمل درجة جامعية في علم المصريات، إلا أنه أصبح مرجعاً أساسياً للبعثات الأثرية، وشارك في اكتشاف مئات المقابر الفرعونية النادرة جنباً إلى جنب مع باحثين مصريين وأجانب.
وقال فاروق: "الكتاب قد يخبر الطالب بمكان الجدار، لكنه لا يخبره بملمس الحجر. بعد 45 عاماً، أصبحت أسمع صوت الحجر، وأعرف إن كان هشاً أم قوياً بمجرد لمسه."
وأشار إلى أن أكثر من 300 بعثة أثرية أجنبية و50 بعثة مصرية تجري أعمال حفائر وترميم في أنحاء البلاد، وتعتمد في ذلك على آلاف العمال المحليين.
وأضاف: "هؤلاء العمال المهرة، ومعظمهم من صعيد مصر، هم العمود الفقري لهذه الصناعة. نحن لا نعمل في الأقصر فحسب، بل تجوب فرقنا مصر كلها، من الأهرامات شمالاً إلى أقصى المواقع جنوباً، أينما تخبئ الأرض سراً."
وبالنسبة لفاروق، المنحدر من محافظة قنا المجاورة، فإن هذا العمل هو إرث عائلي؛ فقد بدأ العمل في الحفائر وهو في سن المراهقة، ولديه ستة من أشقائه يعملون في المجال ذاته، مؤكداً أن هذه المهنة انتقلت إليهم من جدهم الذي عمل مع البعثات الأوروبية الأولى في إزالة الرمال عن معبد الأقصر.
وللحفاظ على هذه المهارات، أنشأ فاروق مدرسة تدريبية في قريته "قفط"، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً عن الأقصر، حيث يعلم أقاربه وشباب المحافظة تقنيات التنقيب.
وتدعم هذه الخبرات حالياً البعثة المصرية الصينية المشتركة في معبد "مونتو"، وهو مشروع يربط بين اثنتين من أقدم الحضارات في العالم.
وقال جاو وي، عالم آثار صيني في البعثة، إن الفريق يعتمد على نحو 50 إلى 60 عاملاً مصرياً كل عام، بمن فيهم متخصصون من "قفط" المشهورين بمهاراتهم الميدانية.
وأضاف في تصريحات لـ((شينخوا)) "عمال قفط هم الكوادر الفنية الرئيسية لأي بعثة أثرية أجنبية في مصر. لديهم خبرة ثرية ومعرفة عميقة بالتربة المحلية وطبقات الأرض. نحتاج لخبرتهم لتحديد معالم الهياكل المبنية من اللبن، والتي يصعب تمييزها في التربة. بدون جهدهم وخبرتهم، ستتوقف الأعمال الأثرية هنا."
وقد تجاوزت هذه الشراكة حدود العمل؛ حيث يتشارك الخبراء الصينيون والعمال المصريون وجبات الإفطار في الموقع، وبنوا ما وصفه "جاو" بصداقة حقيقية.
أما محمود علي (38 عاماً)، فيرى في هذه المهنة مصدراً للاستقرار والفخر، حيث تعلم الحرفة من والده، وقضى السنوات الثلاث الماضية مع الفريق الصيني في معبد مونتو.
وقال علي، وهو ينظف قطعة من الفخار: "العمل مع الخبراء الصينيين علمني أشياء جديدة، مثل استخدام الأدوات الرقمية لتوثيق كل اكتشاف صغير."
وفي المقابل، يضيف علي أن العمال المصريين يعلمون الفريق الصيني كيفية تحريك الحجر الجيري الثقيل دون إلحاق أي ضرر به.
واختتم حديثه بابتسامة "عندما يكتشف الفريق شيئاً ما، أشعر بالفخر لكوني من بين الأيدي التي أخرجته إلى النور مرة أخرى".■






