(وسائط متعددة) رسالة من الشرق الأوسط: بين أتون الصراعات وعالم الحروف .. رحلتي مع اللغة الصينية
بقلم مراد عبده
عدن 19 أبريل 2026 (شينخوا) في اليمن، حيث لطالما ظلت الحياة لسنوات طويلة رهينة الصراع وعدم الاستقرار، نادرًا ما يبقى أي شيء ثابتًا. المدن تتبدل، والخطط تتعثر، ويبدو المستقبل في كثير من الأحيان هشًّا.
ومع ذلك، وسط هذا الواقع المتقلب، وجدت شيئًا غير متوقع، ارتباطًا بلغة وثقافة علمتني ليس فقط كيف أتحمل، بل كيف آمل. إنها رحلة بدأت في خضم الاضطراب، ولا تزال تتكشف بإصرار هادئ.
في عام 2011، وبينما كان اليمن يقف على حافة عدم الاستقرار، بدأت تلك الرحلة بهدوء.
لا أزال أتذكر دخولي مكتب وكالة أنباء ((شينخوا)) في صنعاء. كان ذلك أول احتكاك حقيقي لي بزملاء صينيين. كنت مفعمًا بالطموح والفضول تجاه كل ما يحيط بي. في تلك اللحظة، شعرت وكأنني دخلت إيقاعًا مختلفًا للحياة - إيقاعًا يصنعه الانضباط والاحترام المتبادل وثقة هادئة لا تحتاج إلى كلمات، بل تُحس في كل تصرف.
منذ ذلك الوقت، بدأت العمل مع شينخوا من عدن، المدينة الساحلية الجنوبية. كنت قد تعلمت حينها بعض الكلمات الصينية. بدت بسيطة، شبه هامشية، لكنها حملت وعدًا صامتًا - كأنها تنتمي إلى مستقبل لم أصل إليه بعد. كنت أؤمن أنني سأواصل، وأن هذا الطريق سيتكشف بشكل طبيعي.
لكن التاريخ - وربما القدر - حضر فجأة، وتغير كل شيء.
في العام نفسه، دخل اليمن مرحلة من الاضطرابات. احتجاجات وعدم استقرار، ثم فوضى لاحقًا، أعادت تشكيل البلاد. أُغلقت الجامعات، وتلاشت الفرص. كصحفي شاب، وجدت نفسي في قلب الأحداث، أوثق التغيير لحظة بلحظة، وغالبًا تحت مخاطر شخصية كبيرة.
بحلول عام 2015، وصل الصراع الداخلي إلى عدن. وكغيري كثيرين، نزحت داخليًا. خلال تلك السنوات، أصبحت الحياة سلسلة من القرارات العاجلة. لم تختفِ الأحلام، لكنها أُجلت، تنتظر وقتًا أكثر هدوءًا لم يبدُ أنه سيأتي.
مرت السنوات، واستمر اليمن في مواجهة تحديات متزايدة، غارقا في صراع طويل الأمد يُعد من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. في مثل هذه الظروف، غالبًا ما تتراجع الطموحات وتتوارى خلف ضجيج الواقع.
ومع ذلك، ظل ذلك الارتباط قائمًا - الطريق الذي لمحتُه بقي، والجسر الذي بدأت ببنائه ظل واقفًا، ينتظر.
في عام 2024، اتخذت قرارًا بدا بسيطًا وعميقًا في آن واحد: عدتُ إلى دراسة اللغة الصينية، ملتزمًا بدروس منتظمة ومكثفة في جامعة عدن.
كان ذلك العام هو المرة الأولى التي تُدرّس فيها الصينية في عدن، المدينة التي أنهكتها الحرب، ليس كتخصص أكاديمي رسمي، بل عبر دورات متقطعة قصيرة تمتد لشهر واحد.
تُعقد الدروس في ظروف صعبة. المواد التعليمية محدودة، والوصول إلى معلمين ناطقين أصليين باللغة الصينية يكاد يكون معدومًا.
نحن محظوظون بوجود معلمة صينية واحدة مخلصة لا تزال تعيش في عدن، تتحمل مسؤولية توجيهنا جميعًا. أحيانًا يبدو عليها الإرهاق وضغط العمل، لكن مثابرتها تعكس التزامًا هادئًا يلهم طلابها للاستمرار.
حولي مجموعة صغيرة لكنها مصممة، تضم نحو 30 شابًا يمنيًا يشتركون في الطموح ذاته. ندرس في قاعات غالبًا ما تكون خانقة الحرارة، خاصة خلال انقطاعات الكهرباء الطويلة التي تعاني منها عدن باستمرار.
في تلك اللحظات، حتى الكتابة تصبح تحديًا، إذ تتساقط قطرات العرق على دفاترنا، فتمحو الحروف الصينية التي نخطها بعناية أثناء التدريب على الإملاء.
ندرس لفترة قصيرة، ثم نتوقف لأشهر بسبب ظروف خارجة عن إرادتنا، قبل أن نستأنف مجددًا عندما تسمح الظروف.
لا يزال إرث الحرب يشكل الواقع. فقد تأثرت البنية التحتية التعليمية بشكل كبير، وما زالت أجزاء من الحرم الجامعي الرئيسي لجامعة عدن تحمل آثار الضربات الجوية التي وقعت خلال صراع 2015. أحيانًا، حتى تأمين قاعة دراسية يصبح تحديًا، إذ تظل مرافق الجامعة مكتظة بطلاب تخصصات أخرى.
مقارنة بمعظم الطلاب، أواجه مسارًا أكثر تعقيدًا. أدرس وسط حياة قد تتغير في أي لحظة - أوازن بين عملي الصحفي ودروسي، وأحضر المحاضرات والكاميرا في متناول يدي دائمًا.
لا أستطيع أن أركز انتباهي في مكان واحد بالكامل. أستمع ليس فقط إلى معلمتي، بل أيضًا إلى صفارات سيارات الإسعاف البعيدة بعد الانفجارات، واهتزاز هاتفي المفاجئ مع تنبيهات عاجلة بشأن هجمات على سفن في خليج عدن أو البحر الأحمر، أو رسائل قصيرة مقلقة من سكان يبلغون عن ضربات جديدة في أماكن أخرى من اليمن.
لمواصلة دراستي خلال فترات التوقف، لجأت إلى دورات صينية عبر الإنترنت على نفقتي الخاصة. وحتى هذا النوع من التعلم لا يخلو من الصعوبات، إذ تعرقل الاتصالات الضعيفة وسوء خدمات الإنترنت والبنية التحتية الهشة العملية التعليمية بشكل متكرر.
ورغم كل ذلك، أصبح تعلم الصينية أكثر من مجرد سعي للمعرفة - لقد أصبح فعلًا من أفعال الصمود. يمنحني وسيلة لاستعادة التركيز، وإعادة الإحساس بالاستمرارية، وتذكير نفسي بأن التقدم لا يزال ممكنًا، حتى في أكثر اللحظات غموضًا.
كل حرف صيني يتطلب صبرًا، وكل نغمة تحتاج إلى دقة. كل كلمة تعلمتها جاءت بجهد، وكل جملة صيغت بعد معاناة. هناك لحظات من الإحباط، لكن أيضًا لحظات اختراق هادئة تدفعني للاستمرار.
حيث يقول المثل العربي القديم: "اطلبوا العلم ولو في الصين". وفي تقديري، لا تتعلق المسافة الواردة في هذا القول بالبعد الجغرافي بقدر ما تعكس معنى العزم - أي الإصرار على المضي قدمًا رغم مشقة الطريق.
في هذه الرحلة، اكتشفت أمرًا مهمًا: اللغة ليست مجرد أداة للتواصل؛ إنها جسر بين الحضارات.
فاللغة الصينية، التي يتحدث بها أكثر من مليار إنسان، تربط بين ثقافات وتواريخ ورؤى مختلفة. تفتح الأبواب لفهم حضارة استمرت وتطورت عبر آلاف السنين. تخلق فرصًا ليس للأفراد فقط، بل للمناطق التي تسعى إلى شراكات في عالم سريع التغير.
وبالنسبة للشرق الأوسط، تكتسب هذه الصلة أهمية أكبر من أي وقت مضى.
غالبًا ما يُعرّف الشرق الأوسط بالصراعات، لكنه يبحث عن الاستقرار والتنمية والفرص. وهنا تبرز الصين ليس فقط كشريك، بل كاتجاه - تقدم نموذجًا لرؤية طويلة الأمد وتقدمًا ثابتًا. نهجها الدبلوماسي القائم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة والتعاون دون شروط سياسية يتوافق مباشرة مع احتياجات المنطقة بعد سنوات من الاضطراب.
ومع تركيز مجتمعات الشرق الأوسط على إعادة بناء البنية التحتية، وتنويع الاقتصادات، وخلق فرص العمل، واستعادة الثقة، يتجه مسار التنمية بشكل متزايد نحو الصين كشريك وصديق رئيسي في تشكيل ما سيأتي.
وفي هذا السياق، أحلم بأن أتابع دراستي العليا يومًا ما في الصين، لتعميق فهمي للغتها وثقافتها، واستيعاب القوى والعوامل التي تقف وراء نهضتها.
هذا العام، اتخذت خطوتي الأولى بالتقدم لمنحة الحكومة الصينية. والآن، أنتظر بأمل وإصرار هادئ. مثل كثير من الطلاب في الشرق الأوسط، أتمسك بهذه اللحظة، مؤمنًا بأنها قد تفتح بابًا لبداية جديدة طال انتظارها.
وعشية اليوم العالمي للغة الصينية، الذي يُحتفل به سنويًا في 20 أبريل من كل عام، أراه ليس فقط مناسبة عالمية، بل تذكيرًا شخصيًا أيضًا. تذكير بأن التعلم يمكن أن يستمر حتى في الأماكن التي تعاني، وتذكير بأن التفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى يمكن أن يلهم رؤى جديدة بهدوء وعمق؛ وتذكير بأن المستقبل ليس شيئًا ننتظره فقط، بل شيئا نبنيه خطوة بخطوة عبر اختياراتنا.
لا تزال رحلتي مستمرة بين أصداء الصراع وإيقاع لغة جديدة.■






