مقالة خاصة: رغم الغلاء وتداعيات الحرب...السودانيون يتدفقون إلى الأسواق الشعبية استعدادا لعيد الفطر
الخرطوم 17 مارس 2026 (شينخوا) مع اقتراب حلول عيد الفطر تشهد الأسواق الشعبية في عدد من المدن السودانية حركة نشطة وإقبالا متزايدا من المواطنين الذين يسعون لشراء مستلزمات العيد، رغم الارتفاع الكبير في الأسعار والظروف الاقتصادية الصعبة الناجمة عن الحرب المستمرة في البلاد.
وفي أسواق العاصمة السودانية الخرطوم، وكذلك في مدن مثل بورتسودان وود مدني، بدت الحركة أكثر نشاطا خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، حيث امتلأت الممرات بالمتسوقين الذين يتنقلون بين المتاجر بحثا عن الملابس الجديدة والحلوى والمواد الغذائية التي تعد من أبرز مظاهر الاحتفال بالعيد.
-- زحام الأسواق رغم الغلاء
في السوق الشعبي بمدينة أم درمان، شمالي الخرطوم، كان محمد عبد الله (39 عاما) يتنقل بين بائعي الملابس برفقة طفليه، وهو يقارن بين الأسعار قبل أن يقرر الشراء.
ويقول عبد الله "إن الأسعار ارتفعت بشكل غير مسبوق مقارنة بالأعوام الماضية"، لكنه يحرص رغم ذلك على شراء ما يستطيع لأطفاله.
وأضاف في حديثه لوكالة أنباء ((شينخوا)) "الوضع الاقتصادي صعب للغاية، والرواتب لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، لكن العيد له مكانة خاصة عند الأسر السودانية، حاولت هذا العام أن أوفر بعض المال مسبقا حتى أتمكن من شراء ملابس للأطفال ولو بشكل بسيط".
وتابع قائلا "ربما لن نستطيع شراء كل ما كنا نشتريه في السابق، لكن يكفي أن يشعر الأطفال بفرحة العيد، حتى لو كانت المشتريات محدودة، المهم أن نحافظ على هذه العادة".
وفي سوق آخر بالعاصمة الخرطوم، تقول فاطمة علي، وهي أم لخمسة أطفال، إنها جاءت إلى السوق منذ الصباح الباكر لتجنب الازدحام والبحث عن أسعار أقل.
وأضافت لـ((شينخوا)) "كنا في السنوات الماضية نشتري ملابس جديدة لكل الأطفال، إضافة إلى الحلوى وكميات كبيرة من المواد الغذائية، أما هذا العام فاضطررنا لتقليل المشتريات والتركيز على الضروريات فقط".
وأوضحت أن الأسرة تحاول التكيف مع الظروف الاقتصادية الصعبة، قائلة "نبحث عن الأسعار الأرخص، وأحيانا نشتري الملابس المستعملة، المهم أن نتمكن من توفير بعض مستلزمات العيد حتى نحافظ على أجوائه داخل البيت".
-- تجار: حركة البيع تحسنت لكن المشتريات أقل
من جانبهم، يقول تجار في الأسواق الشعبية بالخرطوم إن حركة البيع شهدت تحسنا ملحوظا مع اقتراب العيد، لكنها ما تزال أقل مقارنة بالسنوات السابقة.
ويقول التاجر أحمد حسن، الذي يعمل في بيع الملابس في السوق الكبير بالخرطوم، إن الإقبال موجود لكنه يختلف في طبيعته.
وأضاف لـ((شينخوا)) "الناس تأتي إلى السوق بكثرة، لكن معظمهم يتردد قبل الشراء أو يشتري قطعة أو قطعتين فقط، في السابق كانت الأسر تشتري كميات من الملابس دفعة واحدة، أما الآن فكثير منهم يكتفي بشراء ما هو ضروري".
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف النقل وصعوبة وصول البضائع أثرا على الأسعار، موضحا أن "بعض البضائع تأتي من مناطق بعيدة، وتكلفة نقلها تضاعفت عدة مرات بسبب الظروف الأمنية وارتفاع أسعار الوقود".
أما التاجر عبد الرحمن يوسف، وهو بائع مواد غذائية في السوق الشعبي بمدينة بورتسودان، فيقول إن الطلب يتركز بشكل أساسي على السلع الضرورية.
وأضاف "الناس تشتري السكر والدقيق والزيت وبعض الحلوى الخاصة بالعيد، لكن الكميات أقل بكثير مما كانت عليه في السابق، الكثير من الأسر تحاول الاقتصاد قدر الإمكان".
وأوضح أن التجار أنفسهم يواجهون تحديات كبيرة، قائلا "تكلفة شراء البضائع ارتفعت، وأحيانا نضطر لبيعها بهامش ربح بسيط حتى لا تتوقف حركة البيع تماما، واحيانا نضطر إلى تخفيض الأسعار".
-- العيد...فرحة يتمسك بها السودانيون
ورغم التحديات الاقتصادية وتداعيات الحرب، يحرص كثير من السودانيين على الحفاظ على تقاليد عيد الفطر باعتباره مناسبة اجتماعية مهمة تجمع العائلات وتعيد بعض مظاهر الفرح إلى الحياة اليومية.
ويقول المواطن عبد القادر محمد، الذي كان يتجول في أحد الأسواق بمدينة ود مدني بوسط السودان برفقة أسرته "قد تكون الظروف صعبة، لكن العيد يظل مناسبة لا يمكن أن نتخلى عنها، نحاول أن نفعل ما بوسعنا حتى يشعر الأطفال بالفرح".
وتابع قائلا "الأسعار ارتفعت بشكل كبير مقارنة بالأعوام الماضية، وهذا يجعلنا نشتري الأساسيات فقط، لكننا نحرص على توفير ملابس جديدة للأطفال ولو بشكل بسيط".
وأشار إلى أن الأوضاع الاقتصادية فرضت على كثير من الأسر تغيير عاداتها في التسوق، مضيفا "في السابق كنا نشتري بكميات أكبر ونستعد للعيد بشكل مختلف، أما الآن فنحن نخطط لكل شيء بعناية ونقارن الأسعار بين المحال".
وأوضح أن رغم التحديات، فإن أجواء الأسواق تمنحهم شعورا خاصا، قائلا "مجرد الخروج إلى السوق ورؤية الناس وهم يستعدون للعيد يعطينا إحساسا بالأمل، وكأن الحياة مستمرة رغم كل شيء".
وختم حديثه بالقول "نأمل أن تتحسن الأوضاع قريبا، لأن فرحة العيد تكتمل عندما يتمكن الجميع من الاحتفال دون قلق أو ضغوط".
ورغم استمرار التحديات الاقتصادية، تبدو الأسواق الشعبية في السودان وجهة رئيسية للأسر الباحثة عن مستلزمات العيد بأسعار أقل، في وقت يتمسك فيه كثيرون بالأمل في أن تعود الأوضاع إلى الاستقرار وأن تعود الأعياد المقبلة في ظروف أفضل.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، دخل الاقتصاد مرحلة من الضغوط الحادة التي انعكست بشكل مباشر على مستوى معيشة المواطنين وقدرتهم الشرائية، فقد شهدت العملة المحلية تراجعا كبيرا في قيمتها، حيث ارتفع سعر صرف الدولار من نحو 600 جنيه سوداني قبل الحرب إلى ما يقارب 3500 جنيه حاليا، مما أدي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، ولا سيما خلال مواسم مثل شهر رمضان.
وفي موازاة ذلك، تفاقمت أزمة سوق العمل، إذ ارتفعت معدلات البطالة بشكل ملحوظ من 32.14% في عام 2022 إلى نحو 47.2% في عام 2025، وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، ما أدى إلى تآكل دخول شريحة واسعة من السكان وتراجع قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.





