مقالة خاصة: مفاوضات عمان: بين الضغوط القصوى الأمريكية والمضادات الإيرانية
بكين 5 فبراير 2026 (شينخوا) تعقد مفاوضات غير مباشرة بين الولايات المتحدة غدا (الجمعة) في عاصمة سلطنة عمان مسقط، بمشاركة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى جانب ستيف ويتكوف ممثلا عن الجانب الأمريكي.
ووفق وكالة ((تسنيم)) الإيرانية الدولية، فإن جدول أعمال المفاوضات سيتناول حصرا الملف النووي ورفع العقوبات المفروضة على إيران، فيما كانت واشنطن تطلب من طهران وقف برنامج تخصيب اليورانيوم وبرنامج الصواريخ الباليستية ودعم وكلائها في المنطقة.
ويرى خبراء أن المفاوضات غير المباشرة تأتي نتيجة معادلات بين الضغوط القصوى الأمريكية والمضادات الإيرانية، ومن المرجح أن تؤثر مباشرة على مسيرة الأزمة الحالية في ظل تمام الجاهزية القتالية الأمريكية حول إيران على الأقل كما يبدو.
-- اعتبارات إيرانية وراء اختيار مسقط كمكان المفاوضات
منذ اندلاع الاحتجاجات وأعمال الشغب في عدة مدن إيرانية في نهاية العام الماضي، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل بالقوة العسكرية، وأمر بإرسال مجموعات من الأسلحة بينها حاملتا طائرات بقوتهما الضاربة إلى المياه قرب إيران، وتعبئة قوات مرتكزة في قواعدها رئيسة أخرى بالمنطقة، فيما أبدت إيران استعدادها للرد على أي عدوان، "إذا ارتكب العدو أي حماقة"، محذرة من أن الحرب المحتملة ستكون "حربا إقليمية شاملة" في المنطقة.
وفي الوقت الذي كان الوضع يزداد توترا، نجحت دول عربية في التنسيق بين الجانبين للجلوس على مائدة المفاوضات، التي كانت تفيد الأنباء بأنها ستكون في إسطنبول، لكن تم تحديد المكان في مسقط بناء على طلب طهران.
واعتقد لي تسي شين، الباحث المساعد في معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، أن إيران طلبت تغيير مكان المفاوضات من اسطنبول إلى مسقط والتفاوض مع الولايات المتحدة بدون مشاركة طرف ثالث لعدة اعتبارات أساسية.
وصرح لوسائل الإعلام الصينية إن سلطنة عمان بالنسبة لإيران دولة تتبنى موقفا حياديا واضحا، وتحتفظ بعلاقات جيدة طويلة الأمد مع الطرفين، كما لعبت دور الوساطة في عدد من النزاعات بالمنطقة. لذا، "يمكنها أن توفر بيئة مناسبة لإيران"، على حد تعبيره.
أما تركيا، باعتبارها أحد أعضاء حلف شمالي الأطلسي (ناتو)، فمكانتها السياسية حساسة لدى الإيرانيين. وعلى الرغم من تقارب وجهات النظر بين إيران وتركيا في عدد من القضايا الرئيسة بالمنطقة، لكن العلاقة بين البلدين معقدة من حيث الأبعاد التاريخية. "لذا، فضلت إيران اختيار عمان لتجنب تدخل أي طرف ثالث"، وفقا للخبير الصيني.
وتابع قائلا "من حيث نطاق المفاوضات، اقترحت إيران تقليصها إلى المستوى الثنائي، على أمل في عدم اتحاد واشنطن مع حلفائها للضغط عليها وتوسيع مواضيع التفاوض. كما تود إيران عبر ذلك أن تظهر لدول المنطقة أن المواجهة الحالية تقتصر على إيران والولايات المتحدة فقط، ولا علاقة لها بدول أخرى".
وعلى الرغم من وجود خطط لضربات محددة، فيشير المراقبون الدوليون إلى عوامل تدفع واشنطن إلى التفاوض: أولا، بسبب ضغط الحلفاء الإقليميين مثل تركيا والسعودية وقطر ومصر على واشنطن لتجنب ضربة شاملة، خوفاً من العواقب الكارثية والتداعيات الإقليمية الواسعة. ثانيا، يتبنى قادة مثل نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس تيارا يدعو لتقليل التدخلات العسكرية طويلة الأمد للتركيز على أولويات أخرى مثل شرق آسيا أو القضايا المحلية. ثالثا، تتزايد التكلفة الأمريكية لمواصلة الحشد العسكري الحالي، مما يجعل البقاء في وضعية الاستعداد مكلفا جدا لموازنتها.
-- مفاوضات صعبة
وبدروه، قال الخبير المصري الدكتور محمد محسن أبو النور، رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية بالقاهرة "لا يمكن تجاهل الدور المتنامي لدول المنطقة، التي باتت ترى أن الحرب ستكون كارثية عليها قبل أن تكون على طهران أو واشنطن. كما أن إصرار هذه الدول على التهدئة، ومحاولاتها دفع ترامب نحو مقاربة أقل حدة وأكثر واقعية، أمر لا يجب التقليل من شأنه".
وأضاف أن التفاوض هنا لا يبدو تعبيرا عن ضعف أمريكي كما يقول بعض الإيرانيين، لكنه تعبير عن قلق من كلفة الحرب التي رفعتها إيران إلى غاية المدى بأن أعلنت أنها لن تتسامح مع ضربة محدودة، وقالت إن أي حرب ستكون إقليمية موسعة.
وقال إن "السقف الأمريكي العالي جدا في التفاوض ولهجة التهديد التي لا يمكن لأي إيراني أن يقبلها مهما كانت عقيدته السياسية، وهذا أمر راسخ جینیا لدى الشخصية الإيرانية".
وقال الصحفي على منصور في جريدة صدى ((الوطن)) اللبنانية "في أي صيغة متعددة الأطراف، تدرك إيران أنها ستكون أمام طاولة مزدحمة بالمطالب. دول إقليمية تعتبر النفوذ الإيراني وبرنامجه الصاروخي تهديدا مباشرا، ولن تتردد في توسيع جدول الأعمال ليشمل ملفات تتجاوز النووي، ما يُضعف موقع طهران التفاوضي ويُدخلها في مساومات شديدة التعقيد."
وأضاف "غير أن القيادة الإيرانية ترى أن الملف النووي هو الساحة التفاوضية الوحيدة القابلة للإدارة حاليا، حيث يمكن تقديم تنازلات تقنية أو مرحلية في نسب الإثراء النووي أو آليات الرقابة، مقابل إلغاء أو تخفيف العقوبات، من دون المساس بجوهر نفوذها الإقليمي أو فتح باب مقايضات شاملة."
وعلاوة على ذلك، قال لي تسي شين "تصر إيران على ضرورة تركيز المفاوضات على قضية اليورانيوم المخصب، وترفض إدراج برنامج الصواريخ ووكلائها بالمنقطة ضمن قائمة المفاوضات، مما يعكس معادلات متغيرة لسياسة الضغط القصوى الأمريكية، والإجراءات المضادة من إيران، حيث حاولت أمريكا توسيع المفاوضات إلى آلية متعددة الأطراف ومواضيعها لزيادة ضغطها، فيما حاولت إيران التأكد على مبدأ المساواة والحوار عبر تغيير مكان المفاوضات وأسلوبها، ألأمر الذي يعكس عدم وجود الثقة بين الطرفين".
وقال أبو النور أنه من المبكر للغاية الحديث عن فشل المباحاثات الأمريكية الإيرانية المرتقبة أو نجاحها، مع تحليلات متواترة ترى أن ترامب طرح خيار التفاوض مع إيران فقط لكسب الوقت، ريثما يكتمل التحشيد العسكري الأمريكي تمهيدا لضربات واسعة تستهدف القدرات العسكرية الإيرانية.
وأوضح أن "ترامب طرح خيار التفاوض مع إيران فقط لكسب الوقت، الولايات المتحدة لا تعاني نقصا في القوة أو الجاهزية، ولا تحتاج إلى انتظار وصول أسطول بحري كي تبدأ أي عمل عسكري، فمنطق شراء الوقت عادة يرتبط بالطرف الأضعف، أو الطرف الذي يعاني خللا في القدرة أو الإمداد... وربما هذا ينطبق على واشنطن، خاصة أن القوات الأمريكية الموجودة حاليا أقل كثيرا من تلك التي كانت موجودة قبيل حرب الاثني عشر يومًا".
ورأى أبو النور أن الاحتمالات مفتوحة على كل شيء.





