رأي ضيف: تشونغلي تعيد تعريف إرث الأولمبياد... من الرياضة إلى الحياة
بقلم محمد مازن
لم أكن أتوقع، وأنا أقف في سبتمبر داخل أحد أهم مواقع أولمبياد بكين الشتوي، أن تكون أول تجربة تلفت انتباهي هي قهوة في كوب من الفلفل.
في الخارج لا ثلج، والجبال لا تبدو كما عرفناها في صور الأولمبياد؛ لا متزلجين، ولا جمهور يصفق في المدرجات. كان سبتمبر قد أعاد الجبل إلى لونه الطبيعي، لكن شيئا من أجواء الشتاء ظل حاضرا في المكان.
صعدنا إلى أعلى المركز الوطني للقفز التزلجي، المعروف باسم "سنو رويي". جلس أكثر من ثلاثين صحفيا ومدونا من الصين وخارجها حول طاولة، أمام تجربة لم تكن لها علاقة مباشرة، في ظاهرها، بالرياضة: ثمرة فلفل ملونة مجوفة، بداخلها قهوة. شربنا القهوة، ثم أكلنا الفلفل نفسه.
لكن ما استوقفني كانت الفكرة أكثر من طعم القهوة. فهذا الفلفل جاء من حقول زراعية في منطقة تشونغلي التابعة لمدينة تشانغجياكو في مقاطعة خبي، ثم وجد طريقه إلى المكان الذي شهد منافسات القفز التزلجي في أولمبياد 2022.
شرح لي قنغ جين كوي من مكتب الشؤون الأجنبية في تشونغلي أن "الفلفل هنا متنوع ومميز، وأن الفكرة جزء من محاولة ربط الزراعة بالسياحة والثقافة والتجارة"، مضيفا أن "الفلفل المحلي دخل أيضا في منتجات أخرى، مثل آيس كريم الفلفل". فقد أصبح الفلفل هنا أكثر من مجرد مكون في فنجان قهوة. كان كأنه خيط صغير يصل الجبل بالحقل.
في "سنو رويي" نفسه، كان المشهد يشرح الفكرة بطريقة أخرى. تصميم المركز الوطني للقفز التزلجي مستوحى من "رويي"، الرمز الصيني التقليدي المصنوع من اليشم، والذي يرمز إلى الحظ والرخاء. ومن أعلى الجبل تبدو الصالة الدائرية كأنها رأس الرمز، فيما ينحني المسار على شكل حرف "أس" حتى يصل إلى مدرجات الجماهير أسفل المنحدر.
هنا كانت تقام منافسات القفز التزلجي خلال أولمبياد 2022.
لكنني في سبتمبر لم أر رياضيين يستعدون للقفز، ولم أسمع أصوات الجماهير. رأيت شيئا أكثر هدوءا: زوارا يصعدون، وآخرين يقفون في الأعلى يلتقطون الصور ويتأملون الجبال، وفنادق ومرافق في الأسفل، وأماكن للتخييم وأنشطة ترفيهية تستفيد من المكان حتى بعد انتهاء موسم الثلج.
كان من السهل أن تظن أن هذا الموقع سيعود إلى السكون بعد انتهاء الألعاب. لكنه اختار طريقا آخر. فقد أعيد تطوير أجزاء من المركز لتضم المؤتمرات والمطاعم والمنتجات الثقافية والإبداعية، وتحول "نادي القمة"، بمساحته البالغة 4100 متر مربع، إلى مساحة متعددة الاستخدامات. وفي 2025 أضيف تلفريك وعربة أحادية المسار لمشاهدة المناظر.
حتى من دون الثلج، لم يعد المكان ينتظر الشتاء كي يعيش. وحتى أغسطس 2026، استقبل "سنو رويي" أكثر من 150 ألف زائر ضمن تجارب صيفية جمعت بين مشاهدة منصة القفز والحفلات الموسيقية في الوادي والعروض التراثية، حسبما قالت المرشدة.
ثم ذهبنا إلى منتجع "تاي وو للتزلج". كنت أبحث عن الثلج مرة أخرى، فلم أجده أيضا. لكنني وجدت الجبل في حالة أخرى من الحياة. المساحات التي تتحول شتاء إلى منحدرات بيضاء للتزلج كانت في الصيف مفتوحة للدراجات الجبلية والمشي وتسلق الجبال، ومنتزهات المغامرات، والقوارب، والتلفريك. وفي أماكن أخرى كانت تقام حفلات موسيقية وأسواق للمنتجات الثقافية وفعاليات عند غروب الشمس.
المشهد لم يكن صاخبا، لكنه كان يقول شيئا واضحا: الجبل لا يتوقف عندما يذوب الثلج.
وهذا ما بدا جوهر التحول في تشونغلي. لم تعد المنشآت مرتبطة بوظيفة واحدة، ولم يعد الاقتصاد المحلي مضطرا إلى انتظار موسم واحد كي يتحرك.
تحدث المسؤولون عن أرقام كبيرة في الزيارات والإيرادات، لكنني لم أعد أنظر إلى هذا وحده. كنت أفكر في الفنجان الذي شربته في أعلى الجبل. الفكرة ليست في أن تجد نشاطا بديلا للشتاء فحسب، وإنما في أن تعطي المكان سببا جديدا كي يأتي إليه الناس.
والأهم أن دور الزائر لا ينتهي عند بوابة المنتجع.
يقول قنغ إنه "عندما يأتي السائح، يحتاج إلى غرفة ينام فيها، وطعام يتناوله، وسيارة توصله، ومقهى يجلس فيه، ومتجر يشتري منه شيئا قبل أن يعود. وربما يتوقف في الطريق عند منتج زراعي محلي، أو يجرب طعاما لم يكن يعرفه".
هكذا تبدأ الحركة من الجبل، لكنها لا تبقى فوق الجبل. تصل إلى الفندق الصغير، والمطعم، والسائق، وصاحب المتجر، ثم تصل في النهاية إلى المزارع الذي زرع الفلفل الذي شربت القهوة من داخله.
وهنا يصبح معنى التحول أكثر إنسانية. فحين لا يعود الموسم قصيرا، لا يعود العمل قصيرا بالضرورة. صاحب المطعم يستطيع أن يفتح أبوابه لفترة أطول، والعامل يجد مواسم إضافية للعمل، والفندق لا ينتظر تساقط الثلج حتى تمتلئ غرفه، والمزارع يجد أمامه سوقا أخرى لمنتجه.
لا أعرف كم شخصا يمكن أن ينسب دخله مباشرة إلى منشأة أولمبية، ولا أظن أن الحياة يمكن اختصارها بهذه الطريقة. لكنني رأيت كيف يمكن لحركة واحدة أن تجر وراءها حركات أخرى، وكيف يمكن لمنشأة رياضية انتهى دورها بانتهاء الفعالية، أن تصبح جزءا من اقتصاد بلدة كاملة، وربما منطقة كاملة.
ففي تشونغلي، لم تعد الرياضة شيئا يحدث في الملعب ثم ينتهي بخروج الجمهور. أصبحت بوابة إلى تجربة أوسع؛ مسارات للمشي والدراجات، أنشطة في الهواء الطلق، حفلات موسيقية، فعاليات ثقافية، ومواقع أولمبية تستقبل الزوار حتى عندما لا تكون هناك منافسات.
هناك، التقت الرياضة والثقافة والزراعة والإبداع والتجارة والسياحة في دائرة واحدة.
ولهذا بقيت قهوة الفلفل في ذهني أكثر من أي رقم سمعته في الزيارة. ثمرة خرجت من حقل محلي، وجدت طريقها إلى فنجان قهوة في أعلى منشأة أولمبية، أمام زائر جاء من مكان بعيد. مشهد صغير، لكنه يلخص حكاية أكبر أن إرث الأولمبياد لا يكون في أن تظل المنشأة واقفة ومفتوحة، وإنما في أن تستمر الحركة التي حولها، وأن تجد طريقها في النهاية إلى حياة الناس.
في تشونغلي، كان الثلج هو البداية. أما الحياة، فقد تعلمت هنا كيف تستمر عندما يذوب.
ملاحظة المحرر: محمد مازن هو صحفي مصري مخضرم مقيم في الصين.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).







