مقالة خاصة: عيد الأم في لبنان بين الحزن العميق والصمود الصامت
النبطية، جنوب لبنان 21 مارس 2026 (شينخوا) هذا العام في عيد الأم، لا زهور ولا احتفالات في لبنان، بل ألم يحرق قلوب نساء فقدن أبناء وأخوة وأهل وأقارب أعزاء دون ذنب ارتكبوه، سوى وجودهم في بلدات جنوبية تعرضت لصواريخ إسرائيلية قتلت ودمرت وهجرت دون استثناء.
مدرسة ؤاشيا الرسمية شرق البلاد والتي تحوّلت إلى مركز إيواء يضم حوالي 500 نازح من القرى الحدودية في القطاع الشرقي من جنوب لبنان، شملت قاعات وصفوف مزدحمة تنتشر البطانيات على الأرض، وتعلو همسات النساء وأصوات الأطفال المتعبين، فيما تتنقل بعض الأمهات بين الخيام المؤقتة وصفوف مدرسية محوّلة إلى ملاجئ.
الضجيج الخافت، الروائح الممزوجة بالغبار والطعام البسيط، تعكس واقع حياة يومية مضطربة، بعيداً عن أي احتفال أو فرح.
ويشهد لبنان منذ مطلع شهر مارس الجاري تصعيدا عسكريا على خلفية الهجوم الأمريكي الإسرائيل على إيران. وانخرط حزب الله إلى جانب إيران في هذه المواجهة.
وفي إطار الغارات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، تشير أحدث بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى أن حصيلة القتلى منذ بداية التصعيد في 2 مارس تجاوزت 1000 شخص، من بينهم 79 امرأة و118 طفلاً، إضافة إلى عشرات العاملين في القطاع الصحي، مع آلاف الجرحى.
خلال جلوسها على مقعد دراسي، تمسك السيدة الخمسينية دلال ضاوي من بلدة الخيام بهاتفها الجوال، حيث صورة ابنها خالد، الذي استشهد بغارة مسيرة إسرائيلية العام الماضي.
وبصوت هادئ مثقل بالحزن، قالت دلال ضاوي لوكالة أنباء ((شينخوا)) "كان ولدي عمري كله فجأة خسرته وهو في عز ريعانه".
وتابعت "فقدت ابني وأصيب زوجي بجروح لم يشف منها بعد، كما تهدم منزلنا، لقد خسرنا الأمن والأمان وكل ذكرياتنا".
في زاوية أخرى من المدرسة، تجلس أم محمد عائشة بدور (36 عاماً) محاطة بأطفالها الثلاثة، تحاول احتضانهم من البرد القارس، محاولة إخفاء دموعها.
وأشارت عائشة بدور لـ((شينخوا)) إلى ان "الأطفال في هذا الوقت الصعب بحاجة لأم قوية لا تنهار أمام الصعاب".
وأضافت بصوت منخفض "لكن مهما حاولنا، من الصعب أن ننسى من فقدنا من إخوة وأبناء وأهل فهم يسكنون في القلب".
من جهتها، وصفت سلوى الصغير، التي نزحت من قرية عيترون إلى صيدا، لحظة الهروب قائلة "خرجنا من منزلنا دون أن نحمل شيئاً، حتى باب البيت تركناه مفتوحاً، تتوقف قليلاً، لتتابع، الوضع معقد والعودة غير مضمونة، خسرنا أعزاء وأملاك، والخوف من ألا نعود إلى أرضنا".
وفي تجمع لنازحين عند الطرف الغربي لمدينة صيدا، تحاول دلال فحص من النبطية (أم لأربعة أطفال) أن تصنع لأطفالها روتيناً داخل النزوح، فتجمعهم حولها للرسم.
وأوضحت دلال أن الأطفال رسموا بعض البيوت التي تم تدميرها وسيارات الأسعاف التي تنقل المصابين إلى جانب طائرات تلقي بصواريخها.
وأضافت أتردد في السؤال أي بيت يرسمون القديم الذي دُمر أم البيت المستقبلي؟
واختصرت وجعها بالقول "الأم في مثل هذه الأوضاع تصبح كل شيء للعائلة أب وأم وأولاد وإخوة وبيت وأمان، حتى لو كانت مكسورة من ذاتها".
ومع اقتراب الغروب، يتبدل ضوء الصف إلى عتمة خفيفة، وتعلو همسات النساء في أروقة المدرسة التي تحوّلت إلى ملجأ.. وعلى فرش رقيقة تجلس أمهات متلاصقات، بعضهن يحدّق في السقف، وأخريات منشغلات بطي البطانيات أو تهدئة أطفال أنهكهم البكاء وجوه متعبة، عيون حمراء، وأيادٍ لا تهدأ، كأن الحركة وحدها تمنع الانهيار.
وتضمّ السيدة وفاء أبو علي شالها إلى صدرها، كأنها تحتضن ذاكرتها لكل من فقدته، فيما تسرّح شعر طفلتها بأصابع مرتجفة، محاولة أن تصنع من العناية اليومية بديلاً عن الخوف.
في زاوية أخرى، تتكئ وفاء أبو علي إلى الحائط، وتهمس لطفلتها بحكاية مبتورة لا تعرف كيف تنهيها.
عند الواجهة البحرية لمدينة الجية بجبل لبنان، تجلس رائدة العبد الله على كرسي عتيق، وقالت لـ((شينخوا)) بلهجة حزينة "لم نشعر بالعيد في هذه الفترة لقد فقدت، كما المئات من الأمهات، الكثير من الأعزاء، كباراً وصغاراً، ومعظمهم لا زال تحت الردم".
وأشارت إلى أنها تحاول دائماً أن تتصرف كأن ولدها الذي استشهد بالقصف المدفعي لا زال بحضنها، وتعتقد أنه في غيابه يتذكرها في عيد الأم الحزين هذا العام.
المحاضرة الجامعية جنان زويهد، اختصاص علم نفس، قالت لـ((شينخوا)) "كل أمّ في لبنان خائفة، ليس خوفاً واحداً يمكن تسميته، بل خوف يتبدل شكله كل ساعة".
وتابعت "الأمهات الحوامل يعشن الرعب مضاعفاً يحملن حياة جديدة في أجساد مرهقة، في وقت لا يضمن حياة قائمة أصلاً، كل حركة جنين طمأنينة مؤقتة، وكل صوت انفجار تهديد مباشر لما لم يُولد بعد"، مضيفة "معنى الأمومة تغير جذرياً، لم تعد علاقة بيولوجية أو عاطفية، بل صارت معركة مفتوحة ضد الفقر، والقصف، والانهيار، وفكرة أن البلاد قد لا تصلح لتربية طفل".
وأشارت إلى أن "المرأة تتحول في أوقات النزاعات إلى محور الصمود الأسري رغم هشاشتها الداخلية، سواء فقدت أطفالها، أو زوجها، أو إخوتها، أو منزلها بالكامل".
وختمت "الأمهات غالباً ما يقمن بكبت مشاعر الحزن والصدمة لحماية أطفالهن، ما قد يؤدي لاحقاً إلى أعراض نفسية مثل القلق الحاد أو الاكتئاب أو اضطرابات ما بعد الصدمة، وما يبدو قوة في الخارج قد يخفي انهياراً صامتاً في الداخل".
يحل عيد الأم في 21 مارس من كل عام، وهو يوم مميز للاحتفال وتكريم الأمهات في الوطن العربي، تقديراً لدورهن العظيم وعطائهن الدائم، ويُعد هذا اليوم فرصة لتعزيز مشاعر الحب عبر الهدايا، والرسائل الصادقة، أو قضاء وقت عائلي.
الطالبة الجامعية لولا نصر (21 عاماً) أشارت لـ ((شينخوا)) "في عيد الأم، لا يشبه هذا اليوم أي مناسبة أخرى، لا باقات ورد ولا احتفالات، بل أمهات يواجهن الفقد.
وقالت "هنا تُعاد كتابة معنى الأمومة كل يوم ليست فقط حناناً، بل صموداً في وجه الخسارة، ومحاولة مستمرة للحفاظ على ما تبقى من حياة".





