مقالة خاصة: الشرق الأوسط…بين وهم الأمن الأمريكي وحقيقة الصراعات المفتعلة
بقلم: أحمد سلام
عند الحديث عن حالة التصعيد غير المسبوق التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط حاليًا نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فعلينا العودة إلى الحقبة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، حينما قدمت واشنطن نفسها للمنطقة كـ"ضامن وحيد للاستقرار"، و"راعي حصري لعمليات السلام"، و"مظلة أمنية لا غنى عنها للدول الحليفة".
ومع ذلك، فإن استعراض دقيق لمسار الأحداث على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، يكشف عن مفارقة صارخة؛ وهي أنه كلما ازداد الانخراط العسكري والسياسي الأمريكي في شؤون المنطقة، ازدادت وتيرة الاضطرابات، وتعمقت الانقسامات، وتحوّلت الدول المستقرة إلى ساحات مفتوحة للصراع.
وقد تجسدت هذه المفارقة بوضوح في الآونة الأخيرة، إذ شهدت السياسة الخارجية للحكومة الأمريكية تحولًا لافتًا من سياسة "الضغوط القصوى" القائمة على العقوبات الاقتصادية إلى توظيف القوة العسكرية الصلبة بشكل مباشر في إدارة الأزمات الدولية. وتُعد الحرب على إيران أبرز ملمح لتلك الحقيقة.
ويعكس هذا النمط من التدخلات - بحسب باحثين في الأمم المتحدة والقانون الدولي - تراجعًا واضحًا في التزام واشنطن بالقواعد القانونية الدولية، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل النظام الدولي القائم على الشرعية متعددة الأطراف.
تنافس جيوسياسي
خلال هذه السنوات الطويلة، بدا واضحًا أن الشرق الأوسط لم يكن مسرحًا لأزماته الداخلية فحسب، بل أصبح أيضًا ساحة للتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، ما ترك آثارًا عميقة على استقرار المنطقة ومسار تطورها.
ومن خلال متابعة سلسلة الأزمات الممتدة، بدءًا من غزو العراق في 2003، مروراً بما شهده الشرق الأوسط من أحداث أُطلق عليها "الربيع العربي"، ووصولاً إلى التصعيد الراهن في الأراضي الفلسطينية والحرب المتصاعدة مع إيران، ندرك بما لا يدع مجالًا للشك أن الاستراتيجية الأمريكية لم تكن يوماً تهدف إلى إرساء استقرار مستدام، بل كانت تمارس نوعاً من "إدارة الفوضى" التي تضمن استمرارية الهيمنة وتدفق المصالح الحيوية لواشنطن، حتى لو كان الثمن هو تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي لدول المنطقة.
لقد أنشأت واشنطن شبكة واسعة من القواعد العسكرية في الخليج العربي تحت شعار حماية الأمن الإقليمي وضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية، حيث وصل عدد القواعد العسكرية في المنطقة إلى أكثر من 19 قاعدة.
وهنا، في ظل الحرب على إيران، هناك سؤالًا آخر يطرح نفسه اليوم بوضوح، وهو: هل وُجدت هذه القواعد العسكرية بالفعل لحماية دول الخليج، أم أنها جعلت هذه الدول جزءًا من ساحة صراع إقليمي ودولي؟
في الحقيقة، فإن استعراض التطورات الأمنية خلال السنوات الأخيرة يشير إلى أن وجود هذه القواعد لم يمنع التوترات أو الهجمات التي شهدتها المنطقة، بل جعل بعض المنشآت العسكرية أو المواقع الاستراتيجية أهدافًا في أوقات التصعيد بين القوى الإقليمية والدولية.
ومع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران من جهة أخرى، ظهرت بوضوح مخاطر تحول بعض دول الخليج إلى ساحات لصراعات لا ترتبط مباشرة بمصالحها الوطنية.
إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية
في ضوء هذه التطورات، يرى عدد متزايد من المحللين أن ما تشهده المنطقة اليوم ليس مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة، بل هو جزء من مرحلة أوسع من إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط. فالحروب المتتالية، والتوترات بين القوى الإقليمية، ومحاولات بناء تحالفات جديدة أو توسيع أخرى، كلها تشير إلى أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة ترتيب جيوسياسي قد تستمر لسنوات.
ومع ذلك، فإن التجارب التاريخية في الشرق الأوسط تؤكد أن محاولات فرض ترتيبات إقليمية جديدة بالقوة العسكرية أو عبر تحالفات تتجاهل التشابكات والتوازنات الحقيقية في المنطقة، في الغالب تؤدي إلى نتائج عكسية.
فلا يمكن أن يتحقق الأمن المستدام من خلال سباقات التسلح أو تحويل الدول إلى ساحات للصراعات الدولية، بل عبر بناء منظومة إقليمية تقوم على احترام السيادة الوطنية، والالتزام بقواعد الشرعية الدولية، ومعالجة جذور النزاعات التاريخية في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
فيمكن القول إن التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط قد وصلت إلى طريق مسدود، حيث لم تعد الشعوب ولا الدول قادرة على تحمل ضريبة الفوضى الناتجة عنها. وهو ما يشير إلى أن "طبيعة التحالفات" التي تقودها واشنطن كُشفت أمام الجميع، ليس فحسب كأداة للتبعية لا للشراكة، بل أيضًا كأداة لحماية التفوق الإسرائيلي لا لحماية السيادة العربية.
إن استعادة الاستقرار في هذه المنطقة الهامة من العالم يتطلب بالضرورة تقليصاً للنفوذ الأمريكي، والعودة إلى منطق الدولة الوطنية القوية، وبناء تحالفات إقليمية حقيقية تقوم على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة لا على الإملاءات الخارجية.
وبدون ذلك، سيبقى الشرق الأوسط يدور في حلقة مفرغة من الأزمات التي يصنعها الخارج ويتحمل أثمانها الداخل.
ملحوظة المحرر: أحمد سلام، وكيل الوزارة السابق للهيئة العامة للاستعلامات بمصر
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة آراء وكالة أنباء ((شينخوا)).





