(نبض الاقتصاد) مقالة خاصة: الثقة الثقافية الصينية تشكل نمطا استهلاكيا جديدا: من "العصرية الوطنية" إلى "العالمية"

(نبض الاقتصاد) مقالة خاصة: الثقة الثقافية الصينية تشكل نمطا استهلاكيا جديدا: من "العصرية الوطنية" إلى "العالمية"

2025-12-31 14:10:15|xhnews

بكين 31 ديسمبر 2025 (شينخوا) في الصين، من الدمى العصرية إلى الملابس التقليدية، ومن الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية، دخلت هذه الاتجاهات الاستهلاكية ذات البصمة الصينية قلوب الناس، لتؤثر في خياراتهم الشرائية بشكل ملموس. لم تعد كلمة "الصينية" مجرد وصف للمنتجات، بل تحولت إلى رمز للهوية الثقافية والاستقلالية الاقتصادية. هذا التحول لا يعكس مجرد تفضيل استهلاكي، بل هو تعبير عن ثقة ثقافية عميقة تشكل نمطا جديدا من الاستهلاك يجمع بين التراث والهوية والحداثة والابتكار.

 

"العصرية الوطنية" - الجمع بين الحداثة والأصالة

لم تعد الأزياء والمنتجات التقليدية حكرا على المتاحف أو الاحتفالات، بل أصبحت جزءا من الحياة اليومية للشباب الصينيين، الذين يحولونها إلى علامات أنيقة تعبر عن هويتهم. بدأ هذا التحول من إعادة اكتشاف الجماليات الصينية في الملابس، وتوسع ليشمل الفنون اليدوية والتراث غير المادي.

في محيط متحف القصر الامبراطوري الصيني، تزود مئات من دور تصوير الأزياء التقليدية والتراثية الزوار بملابس وحلي تقليدية من مختلف عصور التاريخ الصيني لتجربتها والتقاط الصور أثناء زيارتهم، والأهم من ذلك، نشر هذه الذكريات الطيبة على وسائل التواصل الاجتماعي. في مقاطعة جيانغسو شرقي الصين، أطلق متحف سوتشو للفنون مشروعا لبيع فساتين مزينة برسومات "المروحة الصينية"، مع تسجيل طلبات مسبقة تفوق الإنتاج بثلاث مرات، مما يدل على شغف الشباب بتجربة "الأناقة التاريخية".

بالإضافة إلى الأزياء والملابس، شهدت الحرف اليدوية التقليدية إقبالا واسعا. ففي مقاطعة شانشي بغرب الصين، تم دمج فن خيال الظل الصيني مع تقنيات المسرح الحديثة لتقديم عروض عالمية. بينما شاركت علامة مجوهرات "مياو" الفضية، وهي حرفة تراثية صينية لقومية مياو، في أسبوع الموضة بميلانو هذا العام، حيث جمعت بإبداع بين الحرف غير المادية والتصميم العصري، لتبرز الحيوية المعاصرة للثقافة الصينية للأقليات العرقية.

هذا التحول لم يكن فرديا، بل جاء مدعوما بسياسات حكومية ومبادرات مجتمعية. ففي نوفمبر 2025، نظمت وزارة الثقافة والسياحة الصينية فعالية "أسبوع ترويج علامات التراث غير المادي" في يوننان، حيث شاركت 120 علامة تجارية مشهورة بمنتجات تجمع بين الحرف اليدوية والإبداع العصري، من الأواني الخزفية إلى الحُلي. وفي حفل الافتتاح، كشفت منصة "دوين" (تيك توك الصينية) أنه تم بيع 6.5 مليار من المنتجات المتعلقة بالتراث غير المادي في المنصة خلال العام الماضي، بينما بلغت مشاهدات الفيديوهات الخاصة به 178 مليار مرة على منصة فيديوهات "كوايشو".

ويُظهر "تقرير اتجاهات الشباب الوطنية لعام 2025" أن 46.6 في المائة من الشباب يزورون المواقع التاريخية والأماكن الفنية بعد مشاهدة أفلام أو مسلسلات صينية، ما يعكس تأثير المحتوى الإعلامي على سلوكيات الاستهلاك ومدى ارتباطه بالتراث.

 

"الصحة الصينية" - من العلاج إلى أسلوب الحياة

إذا كانت الموضة هي التعبير الخارجي للثقة الثقافية، فإن "الصحة الصينية" هي تجسيدها الداخلي. مع تزايد وعي الشباب بأهمية الصحة، تحول الطب الصيني التقليدي من وسيلة لعلاج الأمراض إلى جزء من أسلوب الحياة اليومي، حيث يجمع بين الفعالية الصحية والأناقة والابتكار.

في بكين، أصبح مقهى صغير في الأزقة التقليدية (التي تسمى "هوتونغ" باللغة الصينية) وجهة شهيرة بين الشباب، حيث يتم تقديم "كعكات التنين" و"معجنات الورود" المزخرفة برسومات الفولكلور الصيني. ولا يقتصر الهدف من الزيارة على التذوق فحسب، بل يشمل تجربة التصوير ونشر الصور على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يعكس تفاعل الشباب مع الثقافة بطريقة ممتعة وعصرية.

في مقاطعة قويتشو جنوب غربي الصين، أطلق المستشفى الأول التابع لجامعة قويتشو للطب الصيني التقليدي مشروعا رائدا: مشروبات عشبية عصرية، مثل "لاتيه اللونغان" (فاكهة استوائية) و"قهوة بقشر البرتقال" المزينة برسومات التنين، التي طورها فريق من الأطباء والممارسين للطب الصيني. قالت يو جيا رئيسة فريق التطوير في المستشفى إن "هدفنا الأصلي كان توفير وجبات علاجية للمرضى، لكن المشروبات أصبحت تحظى بشعبية واسعة بين الشباب"، مضيفة أن الشباب يمثلون 70 بالمائة من زبائن المتجر للمستشفى الذي يحقق مبيعات يومية تصل إلى 10 آلاف يوان.

وكشفت مؤسسة "كانتار وورلدبانيل" الاستشارية، والتي يتواجد مقرها في لندن، أن نمو مبيعات المشروبات العشبية في الصين عام 2024 بلغ 182 في المائة مقارنة مع العام السابق، بينما توقعت شركة "آي ميديا ريسيرش" الاستشارية الصينية أن يصل حجم السوق إلى 64.27 مليار يوان في 2025، ومن المتوقع أن يتجاوز 100 مليار يوان بحلول 2028.

كما يخطط الكثير من المستشفيات لفتح متاجر متخصصة بتقديم شاي الأعشاب والحساء الطبي ومنتجات ثقافية مبتكرة، مما يوضح أن "الصحة الصينية" أصبحت نمطا استهلاكيا متكاملا.

 

"من الصين إلى العالم" - منتجات ثقافية عابرة للحدود

الثقة الثقافية الصينية لم تعد محصورة داخل البلاد، بل امتدت لتصل إلى الأسواق العالمية، حيث حظيت بعض المنتجات الصينية ذات الطابع الثقافي باهتمام عالمي كبير، من بينها مجالات الألعاب والدمى والسيارات الكهربائية والهواتف الذكية الراقية.

منذ طرح دمى "لابوبو" في السوق عبر شركة بوب مارت عام 2019، انتشرت حول العالم. وفي عام 2024، بلغت إيرادات سلسلة "ذا مونسترز" التي تنتمي إليها لابوبو 3.04 مليار يوان (حوالي 429.8 مليون دولار أمريكي)، محققة زيادة بنسبة 475 بالمائة في الإيرادات الخارجية للشركة.

فيما ذكر تقرير نشرته صحيفة ((نانفانغ متروبوليس ديلي)) الصينية مؤخرا أن العلامات التجارية الصينية المتخصصة في أنواع الشاي الجديد بدأت خلال العقد الثاني من هذا القرن في افتتاح متاجر في الخارج بوتيرة متسارعة. وبحسب صحيفة ((ناشيونال بيزنس ديلي)) الصينية، تجاوز عدد هذه المتاجر خارج الصين 5 آلاف متجر بنهاية العام الماضي. ويمكن رؤية أنواع مختلفة من شاي الفقاعات الصيني في مدن غربية مثل لندن وسيدني، بينما برزت جنوب شرق آسيا كأحد الأسواق الرئيسية، وامتدت لاحقا إلى الشرق الأوسط في مدن مثل القاهرة والرياض وبغداد وغيرها.

وفي الوقت نفسه، تواصل المنتجات التكنولوجية الصينية جذب الاهتمام العالمي، من هواتف هواوي القابلة للطي إلى كاميرات إنستا 360 البانورامية وروبوتات شركة "يونيتري"، حيث أضفت الشركات الصينية لمسات تكنولوجية متفوقة على "المنتجات الصينية"، مما ساهم في تعزيز مكانتها في السوق العالمية. وتشير بيانات جمعية السيارات الصينية إلى أن مبيعات السيارات الكهربائية ذات العلامات التجارية المحلية تجاوزت 8.29 مليون وحدة في 2023، مما يعكس تنامي ثقة المستهلكين المحليين بالمنتجات الصينية عالية التقنية.

وعلى الصعيد العالمي، أصبحت السيارات الكهربائية الصينية خيارا مفضلا. ففي الأردن، مثلت المركبات الكهربائية الصينية 87 بالمائة من واردات المملكة الكلية من المركبات الكهربائية خلال 11 شهرا من العام الجاري، وفق الجمارك الأردنية. وأشادت مجلة السيارات العالمية ((أوتوبلوغ)) بجودة التصميم وقيمة الأداء لهذه السيارات، في تأكيد لتحول الصورة العالمية للصناعة الصينية من "المنافس المنخفض السعر" إلى "الرائد في الابتكار".

من "أزياء الهانفو" إلى "المشروبات العشبية"، ومن "الدمى العصرية" إلى "الهواتف الذكية"، تُظهر الصين كيف يمكن للثقافة أن تكون محركا اقتصاديا واجتماعيا. هذا النمط الاستهلاكي الجديد، الذي يقوده الشباب، لا يعكس فقط تفضيلا للمنتجات المحلية، بل يعبر عن ثقة ثقافية عميقة وهوية متجذرة ومتجددة. 

الصور