مقالة خاصة: في غزة.. عيد بلا روح
غزة 29 مارس 2025 (شينخوا) في مخيم الشاطئ الواقع بمحاذاة ساحل البحر المتوسط غربي مدينة غزة، تجلس الفلسطينية سعاد أبو شهلا أمام خيمتها المصنوعة من قماش ممزق تحاول تهدئة طفلها الذي يبكي مطالبًا بملابس جديدة للعيد.
وأعلن المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية رئيس مجلس الإفتاء الأعلى الشيخ محمد حسين، مساء اليوم (السبت) أن الأحد، هو أول أيام عيد الفطر.
ويحل عيد الفطر للعام الثاني على التوالي على سكان قطاع غزة وسط الدمار والحداد، بعدما استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة بعد انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وعدم الاتفاق بشأن بدء مرحلته الثانية أو تمديده.
وغابت الأجواء الاحتفالية بالعيد عن القطاع، وحل محلها دوي القصف الإسرائيلي ومشاهد الدمار والركام.
وتعيش آلاف العائلات في غزة في خيام مؤقتة بعد أن دمر القصف الإسرائيلي المتواصل المنازل في القطاع، الذي يكافح سكانه لتأمين احتياجاتهم الأساسية وسط تفاقم الأزمة الإنسانية.
- العيد .. "فقد معناه"
وتقول سعاد أبو شهلا، وهي أم لأربعة أطفال تبلغ من العمر (29 عامًا)، لوكالة أنباء ((شينخوا)) "في العيد كنا نخرج لشراء الملابس والحلوى، أما الآن، لا نملك حتى ثمن الخبز".
وتابعت "أطفالي يسألونني: هل سنعود إلى بيتنا؟ هل سنحصل على ملابس جديدة؟ لكنني لا أملك إجابة".
وفقدت سعاد منزلها في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة جراء قصف إسرائيلي في نوفمبر الماضي، ومنذ ذلك الحين تعيش مع أسرتها في خيمة صغيرة لا تقيهم برد الليل أو حرارة الشمس.
وأضافت أبو شهلا بصوت يملأه الحزن "العيد فقد معناه هنا في غزة".
وتمتد مشاهد الدمار لمسافات طويلة في شوارع غزة، حيث تملأ أكوام الركام الطرقات، فيما غابت أضواء العيد التي كانت تزين الأسواق والمحال التجارية في مثل هذا الوقت من كل عام.
ويبدو حي الرمال، أحد أرقى أحياء غزة سابقًا، خير شاهد على ذلك، إذ باتت معظم مبانيه مدمرة أو متصدعة بشكل خطر، فيما تنتشر السيارات المحترقة والأعمدة الكهربائية المنهارة.
ويقول الفلسطيني مروان الحداد، (37 عامًا)، الذي نزح مع أسرته من بيت حانون: "في العام الماضي، رغم الحرب، حاولنا أن نصنع أجواء فرح لأطفالنا. أما الآن، لا أستطيع حتى شراء الحلوى لهم. العيد هنا يعني مزيدًا من الفقدان".
وقتل 921 شخصا وأصيب 2054 آخرون منذ استئناف إسرائيل عملياتها العسكرية في قطاع غزة في 18 مارس الجاري لترتفع حصيلة الحرب الإسرائيلية إلى 50277 قتيلا و114095 جريحا منذ السابع من أكتوبر للعام 2023، وفق ما أعلنت وزارة الصحة في غزة.
وعلى غرار الوضع في مدينة غزة، يعيش الفلسطينيون في بقية مناطق القطاع دون اكتراث للعيد.
ففي مدينة خانيونس جنوب القطاع، تعيش الفلسطينية فاطمة قديح (32 عامًا) مع أطفالها الثلاثة في خيمة منذ أن فقدت منزلها في غارة جوية على جباليا.
وتقول قديح "أطفالي يسألونني كل يوم: لماذا لا نشتري ملابس جديدة؟ لماذا لا نذهب إلى السوق كما كنا نفعل في العيد؟".
وتابعت "عندما يسألونني عن ألعاب العيد، أقول لهم إننا سنشتريها بعد أن تنتهي الحرب، لكنهم بدأوا يفقدون الثقة بكلماتي. لقد رأوا الموت أمام أعينهم".
وتسببت العمليات العسكرية الإسرائيلية في دمار واسع للبنية التحتية في قطاع غزة وانهيار الخدمات الأساسية.
ويعاني سكان غزة من الفقر مع بلوغ نسبته 100 بالمائة، فيما تجاوز التضخم نسبة 250 بالمائة مع استمرار الحرب، وفق تقرير نشره البنك الدولي في شهر سبتمبر الماضي، ما أدى إلى ركود اقتصادي.
- أسواق شبه خالية
وفي شارع الوحدة، الذي كان يعج بالحركة في مواسم الأعياد، تبدو المحال التجارية إما مدمرة أو مغلقة، فيما تغيب الأضواء عن الشوارع، وتتكدس الأنقاض في زوايا الطرقات.
ويقول الفلسطيني إبراهيم صيام (45 عامًا)، صاحب متجر للحلويات: "كنت أبيع عشرات الكيلوغرامات من الحلويات في العيد. الآن، لا يوجد أحد ليشتري، فالناس بالكاد يجدون الخبز".
وفي سوق مخيم جباليا، يصف عبد الرحمن الزين، وهو صاحب محل لبيع الملابس، ضعف الحركة التجارية، قائلًا: "في الماضي، كنت أجهز البضاعة للعيد قبل شهر على الأقل. الآن، لم يأتِ أحد ليسأل عن الملابس أو الأحذية".
وتابع الزين "الأولوية الآن هي لتأمين الطعام والبقاء على قيد الحياة".
وقبل أسبوع حذر المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) فيليب لازاريني من أن قطاع غزة بات "أقرب إلى أزمة جوع حادة".
وقال لازاريني في بيان "إن كل يوم بدون طعام يجعل غزة أقرب إلى أزمة جوع حادة"، معتبرا أن "حظر المساعدات هو عقاب جماعي على غزة".
وأعلنت إسرائيل في الثاني من مارس الجاري وقف دخول البضائع والإمدادات إلى غزة.
وحذر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة مؤخرا من أن قطاع غزة على شفا "كارثة إنسانية" جراء مواصلة إسرائيل إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات الإنسانية.
- "دمرت الروح"
ومع تواصل الحرب وإغلاق المعابر لا يفكر الفلسطينيون في ملابس العيد، بل في كيفية تأمين الطعام لأطفالهم، وفق الخبيرة في الشؤون الإنسانية ريهام عودة.
وتقول عودة ل((شينخوا)) "إن الحرب لم تدمر المنازل فقط، بل دمرت الروح المعنوية لسكان غزة".
وتضيف: "حتى لو توقفت الحرب اليوم، فإن تداعياتها ستستمر لعقود. آلاف العائلات فقدت معيليها، والبنية التحتية بحاجة إلى إعادة بناء من الصفر".
وتابعت أنه "مع استمرار العمليات العسكرية يبدو أن سكان غزة سيقضون عيدًا آخر بلا فرحة، حيث تحل أصوات القصف مكان تكبيرات العيد، وتحل الدموع مكان ضحكات الأطفال".